إذا كانت الدراسات البلاغيّة قد أوقفت مبحث (الفصل والوصل) على ما يكون بين الجمل من اتصال وانفصال، مجتهدةً في تعيين مواضعه، وتحديد أضربه بما يشير لاختصاصه بركن من أركان الجملة، فإن من العلماء مَنْ رفع منزلته ووسّع من اختصاصه لتكون البلاغة بسعة مباحثها وانفتاح آفاقها عبارةً عن (( معرفة الفصل من الوصل ) ) [1] ، ولا شك في أن الجاحظ حينما أولى هذا المبحث أهمية كبيرة، معادلًا إياه بالبلاغة نفسها، أو معرِّفًا إياها به، لم يكن يعني حدود المبحث وتفصيلاته مثلما استقرت بين أيدي علماء البلاغة، بقدر ما يشير لقابليته على الانفتاح على طرائق التفكير وأساليبه التي يمثل الفصل والوصل جانبًا مهمًا من جوانب تشكّلها، وإذا كان الفصل والوصل قد دُرس بحسب تعريف الخطيب القزويني [2] معتنيًا بالوصل بوصفه عطفَ بعض الجمل على بعض والفصل ترك العطف، فإن للمبحث من الأهمية، من جانب آخر، ما يجعله (نظامًا) بلاغيًا تترتب على أساسه أجزاء القول وتنتظم مفاصله، فالبلاغة كما يُشير أبو هلال العسكري (( إذا اعتزلتها المعرفة بمواضع الفصل والوصل كانت كالأليء بلا نظام ) ) [3] ،
(1) -الجاحظ، البيان والتبيين: 1/88.
(2) -ينظر: الخطيب القزويني، الإيضاح: 147.
(3) -أبو هلال العسكري، كتاب الصناعتين: 438..