فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 240

يحيلنا تأمل الاستهلال في كتب الأمثال العربيّة إلى خصوصية بنيته السردية التي لا تتوجّه في الغالب إلى كشف عناصرها وتهيئة المجال أمامها للتشكّل والانسجام كما في (ألف ليلة وليلة) على سبيل المثال، ولا تتكفل كما في (المقامة) بكشف المستويات الزمنيّة لبنية السرد وتنظيم مهمات الراوي [1] ، بل إنها تعتمد إلى الانفتاح على جهتي الإخبار، الـ (ما قبل) ممثلة بسلسلة رواة غائبين، والـ (ما بعد) ممثلة بمفاد الخبر، محموله، ونظام الإبلاغ فيه، فهو العتبة التي (( تفتح السبيل إلى ما يتلو ) ) [2] وتشير أو تكشف في الوقت نفسه عن سابقي رواته. فالمثل العربي لا يُقدَّم بالنظر إلى نظام الاستهلال، بوصفه نتاجًا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بـ (مؤلف) أو يتمثل لرغبات (راو) معين، فالخبر يتجسد وهو يمرُّ عبر سلسلة مخبرين لا تتجرّد عن شعورها ولا تصرّح بشكل واضح بما تشعر أو تظن فتكتفي كما تُقدِّم إحدى حلقات السلسلة بالظن أو التلميح بعدم صدق ما يُروى، يقول ابن منظور (( وقال الليث: سمعت أهل العربية يقولون إذ قيل ذكر فلان كذا وكذا فإنما يُقال ذلك لأمر يُستقين أنه حق، وإذا شُك فيه فلم يُدْرَ لعلَّه كذب أو باطل قيل زعم فلان ) ) [3] ، ويورد القرآن الكريم ما يؤكد ذلك { زعم الذين كفروا أن لن يُبعثوا [4] } ، { فقالوا هذا لله بزعمهم [5] } ، { أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون } [6] ، فـ (زعم) أي قال، وقيل -بجملة ابن منظور- هو القول يكون حقًا ويكون باطلًا.

(1) -ينظر د.عبد الله إبراهيم، السردية العربية: 194، 196.

(2) -أرسطو، الخطابة، ترجمة عبد الرحمن بدوي: 235.

(3) -ابن منظور، لسان العرب: مادة (زعم) .

(4) -التغابن/7.

(5) -الأنعام/136.

(6) -الأنعام/22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت