على هذا المنوال استمرت حياة إيمان تسير طيلة السنوات الثلاث، على الرغم من الألم المكبوت الذي كانت تعانيه في صمت وابتسامة مزيفة حين تبدأ العطلة الصيفية وترى زميلاتها في الدار قد استعددن لقضاء العطلة الصيفية عند ذويهن أو أقاربهن، ما عداها وبعض الصغيرات اللاتي لا يفقهن شيئًا مما حولهن.. فترجع بذاكرتها إلى قضية أم حسن التي حكتها لها عن والديها؛ فتجد بعد استرجاعها أن هناك قوة لم تمتلئ، إذن؛ لابد أن في الأمر شيئًا ما، وأن الحكاية لم تنته، ومضت تفكر وتفكر، وتقول لنفسها:
-لا بد من أن هناك سرًا ما، وأي سر..
كانت تردد ذلك وتتساءل بينها وبين نفسها:
-يا لغبائي! كيف صدقت كلام أم حسن بهذه البساطة؟ وكيف لم يخطر على بالي أن أسألها أسئلة معينة لعلي بذلك أتوصل إلى الحقيقة..؟
وتفيق من أفكارها بضربة يدها على جبينها: كيف أسألها.. وقد رحلت إلى العالم الآخر منذ سنتين؟!
بقيت إيمان حائرة متألمة داخل نفسها، إنها لا تجرؤ على سؤال أي واحدة أخرى من المقيمات في الدار هذا السؤال، وما يدريها أن أحدًا يعرف قصتها غير أم حسن؟
بدأت العطلة وانتهت وهي لا تزال حبيسة الدار وسجينة أفكارها، وسؤالها الذي لا يكف عن التنغيص عليها بين فترة وأخرى.
ومرت الأيام وهي تعدها يومًا بعد يوم لتخرج بانتهائها من السجن الذي تقبع فيه؛ فقد شدها الحنين وأذابها الشوق لرؤية أخواتها في الدار، وإلى سماع أخبارهن، وسماع كل جديد خارج السور قد حدث في فترة غيابهن، وكانت تمني نفسها بلقاء شريفة - صديقتها العزيزة - التي عرفتها من مقاعد الدراسة لا من الدار؛ لتفضي لها ببعض ما يجول في فكرها ويضطرم في نفسها.. ثم تضحك من نفسها قائلة:
-أنا أعد الأيام لتمضي العطلة، وغيري يبكون على مرور كل يوم منها؟! سبحان الله! إن الإنسان منا لا يرضيه شيء في هذه الدنيا.