الصفحة 9 من 429

مَحَلُّ تَرَدُّدٍ وَإِشْكَالٍ وَمَوْضِعُ خِلَافٍ. الْحِيَلُ الْمُحَرَّمَةُ: 10 - وَهِيَ الْحِيَلُ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلتَّوَصُّلِ بِهَا إلَى مُحَرَّمٍ , أَوْ إلَى إبْطَالِ الْحُقُوقِ , أَوْ لِتَمْوِيهِ الْبَاطِلِ أَوْ إدْخَالِ الشُّبَهِ فِيهِ. وَهِيَ الْحِيَلُ الَّتِي تَهْدِمُ أَصْلًا شَرْعِيًّا أَوْ تُنَاقِضُ مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً. وَالْحِيَلُ الْمُحَرَّمَةُ مِنْهَا مَا لَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مَحَلُّ تَرَدُّدٍ وَخِلَافٍ. وَالْحِيَلُ الْمُحَرَّمَةُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ وَهِيَ: أ - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مُحَرَّمَةً وَيُقْصَدَ بِهَا مُحَرَّمٌ: وَمِثَالُهُ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثًا وَأَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ عَارِ التَّحْلِيلِ , فَإِنَّهُ يُحَالُ لِذَلِكَ بِالْقَدْحِ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِفِسْقِ الْوَلِيِّ , أَوْ الشُّهُودِ فَلَا يَصِحُّ الطَّلَاقُ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ. ب - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ مُبَاحَةً فِي نَفْسِهَا وَيُقْصَدَ بِهَا مُحَرَّمٌ. كَمَا يُسَافِرُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ , أَوْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ. ج - أَنْ تَكُونَ الْحِيلَةُ لَمْ تُوضَعْ وَسِيلَةً إلَى الْمُحَرَّمِ بَلْ إلَى الْمَشْرُوعِ , فَيُتَّخَذُهَا الْمُحْتَالُ وَسِيلَةً إلَى الْمُحَرَّمِ. كَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ لِوَارِثِهِ , فَيَحْتَالَ لِذَلِكَ بِأَنْ يُقِرَّ لَهُ , فَيَتَّخِذَ الْإِقْرَارَ وَسِيلَةً لِلْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ.

أَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْحِيَلِ الْمُبَاحَةِ:

11 -تَقَدَّمَ التَّعْرِيفُ بِالْحِيَلِ الْمَشْرُوعَةِ وَهَذَا بَيَانٌ لِأَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا: أ - قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوَلَدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} , أَرَادَ بِالْحِيلَةِ التَّحَيُّلَ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ الْكُفَّارِ , وَهَذِهِ حِيلَةٌ مَحْمُودَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا مَنْ عَمِلَهَا. ب - مُبَاشَرَةُ الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ حِيلَةٌ عَلَى حُصُولِ مُسَبَّبَاتِهَا , كَالْأَكْلِ , وَالشُّرْبِ , وَاللُّبْسِ وَالسَّفَرِ الْوَاجِبِ , وَكَذَلِكَ الْعُقُودُ الشَّرْعِيَّةُ وَاجِبُهَا وَمُسْتَحَبُّهَا وَمُبَاحُهَا كُلُّهَا حِيلَةٌ عَلَى حُصُولِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ , فَإِذَا كَانَتْ الْحِيلَةُ سَبَبًا مَشْرُوعًا وَمَا تُفْضِي إلَيْهِ مَشْرُوعٌ فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِهَا. ج - إنَّ الْعَاجِزَ الَّذِي لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ لِجَهْلِهِ بِطُرُقِ تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ مَذْمُومٌ , لِأَنَّهُ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِطُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ خَفِيِّهَا وَظَاهِرِهَا , فَيُحْسِنُ التَّوَصُّلَ إلَى مَقَاصِدِهِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ , وَيَعْرِفُ طُرُقَ الشَّرِّ الظَّاهِرَةَ وَالْخَفِيَّةَ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا إلَى خِدَاعِهِ وَالْمَكْرِ بِهِ فَيَحْتَرِزُ مِنْهَا. وَقَدْ كَانَ {حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ - رضي الله عنه - أَعْلَمَ النَّاسِ بِالشَّرِّ وَالْفِتَنِ , وَكَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْخَيْرِ , وَكَانَ هُوَ يَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَهُ} . د - إنَّ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ حُرِّمَتْ الْحِيَلُ هُوَ أَنَّهَا تَهْدِمُ الْأُصُولَ الشَّرْعِيَّةَ , وَتُنَاقِضُ الْمَصَالِحَ الشَّرْعِيَّةَ , فَإِذَا انْتَفَى هَذَا الْمَعْنَى وَكَانَتْ الْحِيَلُ مِمَّا لَا يُنَاقِضُ الْأُصُولَ الشَّرْعِيَّةَ فَلَا مَعْنَى لِمَنْعِهَا بَلْ كَانَتْ مِنْ الْمَشْرُوعِ. هـ - أَجَازَتْ الشَّرِيعَةُ لِلْمُكْرَهِ عَلَى الْكُفْرِ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ إحْرَازًا لِدَمِهِ , وَفِي هَذَا تَحَيُّلٌ عَلَى إحْرَازِ الدَّمِ , وَالتَّحَيُّلُ هُنَا كَالتَّحَيُّلِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ إحْرَازًا لِلدَّمِ , كَذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ: صلى الله عليه وسلم {فَإِذَا قَالُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا} فَكُلٌّ مِنْ الْحَالَتَيْنِ نَطَقَ بِكَلِمَةٍ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ مَعْنَاهَا تَوَصُّلًا إلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ , وَهُوَ إحْرَازُ الدَّمِ , فَأُجْرِيَتْ عَلَيْهِمَا أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ. و - إنَّ الْخُرُوجَ مِنْ الْحَرَامِ إلَى الْحَلَالِ وَالتَّخَلُّصَ مِنْ الْمَآثِمِ أَمْرٌ وَاجِبٌ شَرْعًا , وَالتَّحَيُّلُ لَهُ بِاِتِّخَاذِ الْوَسَائِلِ وَالْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ أَمْرٍ مَطْلُوبٍ شَرْعًا كَذَلِكَ , وَلَا تَخْرُجُ الْحِيَلُ الْمُبَاحَةُ عَنْ هَذَا. مِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ} وَهِيَ حِيلَةٌ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْحِنْثِ , وَقَدْ عَمِلَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَقِّ الضَّعِيفِ الَّذِي زَنَى , وَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فِي السُّنَنِ , حَيْثُ إنَّهُ أَخْبَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت