صلى الله عليه وسلم مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ {اشْتَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى أَضْنَى , فَعَادَ جِلْدَةً عَلَى عَظْمٍ , فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ , فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا , فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالُ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ , وَقَالَ: اسْتَفْتُوا لِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنِّي قَدْ وَقَعَتْ عَلَى جَارِيَةٍ دَخَلَتْ عَلَيَّ , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا بِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الضُّرِّ مِثْلَ الَّذِي هُوَ بِهِ , لَوْ حَمَلْنَاهُ إلَيْك لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ , مَا هُوَ إلَّا جِلْدٌ عَلَى عَظْمٍ , فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَاخُذُوا لَهُ مِائَةَ شِمْرَاخٍ , فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً} . وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ {أَنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ , فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَاخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا ا بِالصَّاعَيْنِ , وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَا تَفْعَلْ بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ , ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا} . وَفِي أَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّرَاهِمِ تَمْرًا , وَنَهْيِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِهِ خُرُوجٌ مِمَّا لَا يَحِلُّ لِمَا فِيهِ مِنْ الرِّبَا إلَى مَا يَحِلُّ وَهُوَ الْبَيْعُ , وَهُوَ خُرُوجٌ مِنْ الْإِثْمِ.
أَدِلَّةُ تَحْرِيمِ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ:
12 -إنَّ الْحِيَلَ الْمُحَرَّمَةَ تَقُومُ عَلَى الْمُخَادَعَةِ وَالتَّلْبِيسِ وَالتَّدْلِيسِ , وَعَلَى اتِّخَاذِ الْوَسَائِلِ الْمَشْرُوعَةِ , وَغَيْرِ الْمَشْرُوعَةِ , لِلْوُصُولِ إلَى الْحَرَامِ وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: 1 - قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ} . لِأَنَّ فِيهِ اسْتِحْلَالَ الزِّنَى بِاسْمِ النِّكَاحِ , فَإِنَّ قَوْلَ الْمُحَلِّلِ تَزَوَّجْت هَذِهِ الْمَرْأَةَ , أَوْ قَبِلْت هَذَا النِّكَاحَ , وَهُوَ غَيْرُ مُبْطِنٍ لِحَقِيقَةِ النِّكَاحِ وَلَا يَقْصِدُ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً لَهُ , وَلَا هِيَ مَرِيدَةٌ لِذَلِكَ وَلَا الْوَلِيُّ , فَقَدْ تَوَسَّلَ بِاللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ إلَى مَا يُنَافِي مَقْصُودَ الْعَقْدِ , أَوْ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ أَحْكَامِ الْعَقْدِ , وَهُوَ عَوْدُ الْمَرْأَةِ إلَى زَوْجِهَا الْمُطَلِّقِ. وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ فِي نِكَاحِ الْمُحَلِّلِ فَقَالَ: لَا , إلَّا نِكَاحَ رَغْبَةٍ , لَا نِكَاحَ دُلْسَةٍ , وَلَا اسْتِهْزَاءٍ بِكِتَابِ اللَّهِ , ثُمَّ يَذُوقُ عُسَيْلَتَهَا} . 2 - قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ , حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا} فَاحْتَالُوا عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِ الشُّحُومِ بِأَكْلِ أَثْمَانِهَا. 3 - قَوْلُ الْمُرَابِي بِعْتُك هَذِهِ السِّلْعَةَ بِكَذَا كَمَا فِي بَيْعِ الْعِينَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَهَا , وَلَمْ يَكُنْ مَرِيدًا لِحَقِيقَةِ الْبَيْعِ , وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي غَرَضٌ فِي السِّلْعَةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ , وَإِنَّمَا قَصَدَ الْبَائِعُ عَوْدَ السِّلْعَةِ إلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ. وَصَحَّ عَنْ أَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُمَا سُئِلَا عَنْ الْعِينَةِ , فَقَالَا إنَّ اللَّهَ لَا يُخْدَعُ هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ , فَسَمَّيَا ذَلِكَ خِدَاعًا. 4 - لَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْيَهُودَ عَلَى تَحَايُلِهِمْ عَلَى الْحَرَامِ فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} , فَلَقَدْ حَرَّمَ عَلَى الْيَهُودِ أَنْ يَعْمَلُوا فِي السَّبْتِ شَيْئًا , فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحْفِرُ الْحَفِيرَةَ , وَيَجْعَلُ لَهَا نَهَرًا إلَى الْبَحْرِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ فَتَحَ النَّهَرَ فَأَقْبَلَ الْمَوْجُ بِالْحِيتَانِ يَضْرِبُهَا حَتَّى يُلْقِيَهَا فِي الْحَفِيرَةِ , فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ , جَاءُوا فَأَخَذُوا مَا تَجَمَّعَ فِي الْحَفِيرَةِ مِنْ حِيتَانٍ وَقَالُوا: إنَّمَا صِدْنَاهُ يَوْمَ الْأَحَدِ , فَعُوقِبُوا بِالْمَسْخِ قِرَدَةً لِأَنَّهُمْ اسْتَحَلُّوا الْحَرَامَ بِالْحِيلَةِ. وَلَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ ارْتِكَابِ الْحِيَلِ , كَمَا فَعَلَتْهُ بَنُو إسْرَائِيلَ فَقَالَ صلى الله عليه