سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ الْحَدِيثُ. قَالَ: وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَهَا فِي غَيْرِهِ خَوْفًا مِنْ إلْحَاقِهَا بِرَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّالِ. وَإِنَّمَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلْخِفَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِقُرْبِهِ مِنْ الصَّوْمِ , وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ مِنْ غَيْرِهِ فَيَشْرَعُ التَّاخِيرُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. ا هـ. وَإِتْبَاعُ صَوْمِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
12 -هـ - قَضَاءُ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى مَنْعِ ذَلِكَ فِي الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا سَوَاءٌ عَلِمَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ أَوْ بَعْدَهَا , وَهُوَ أَيْضًا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ أَنَّ تَجْوِيزَ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تُهْمَةِ الْقَاضِي , وَالْحُكْمُ بِمَا اشْتَهَى وَيُحِيلُهُ عَلَى عِلْمِهِ. وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى السِّتْرِ , وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي عَلِمَهَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ , لَا فِيمَا عَلِمَهُ مِنْهَا بَعْدَ وِلَايَتِهِ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ , وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ.
فَتْحُ الذَّرَائِعِ:
13 -الْمُرَادُ بِفَتْحِ الذَّرَائِعِ تَيْسِيرُ السُّبُلِ إلَى مَصَالِحِ الْبَشَرِ قَالَ الْقَرَافِيُّ الْمَالِكِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الذَّرِيعَةَ كَمَا يَجِبُ سَدُّهَا يَجِبُ فَتْحُهَا , وَتُكْرَهُ وَتُنْدَبُ وَتُبَاحُ , فَإِنَّ الذَّرِيعَةَ هِيَ الْوَسِيلَةُ , فَكَمَا أَنَّ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ فَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْحَجِّ. وَالْوَسِيلَةُ إلَى أَفْضَلِ الْمَقَاصِدِ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ , وَإِلَى أَقْبَحِ الْمَقَاصِدِ أَقْبَحُ الْوَسَائِلِ , وَإِلَى مَا يُتَوَسَّطُ مُتَوَسِّطَةٌ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ الْوَسَائِلِ الْحَسَنَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} فَأَثَابَهُمْ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ وَالنَّصَبِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ فِعْلِهِمْ لِأَنَّهُمَا حَصَلَا لَهُمْ بِسَبَبِ التَّوَسُّلِ إلَى الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لِإِعْزَازِ الدِّينِ وَصَوْنِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَمْثِلَةً مِنْ ذَلِكَ , مِنْهَا التَّوَسُّلُ إلَى فِدَاءِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ , بِدَفْعِ الْمَالِ لِلْكُفَّارِ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَمِنْهَا دَفْعُ مَالٍ لِرَجُلٍ يَاكُلُهُ حَرَامًا حَتَّى لَا يَزْنِيَ بِامْرَأَةٍ إذَا عَجَزَ عَنْ دَفْعِهِ عَنْهَا إلَّا بِذَلِكَ , وَكَدَفْعِ الْمَالِ لِلْمُحَارِبِ حَتَّى لَا يَقَعَ الْقَتْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الْمَالِ عِنْدَ مَالِكٍ , وَلَكِنَّهُ اشْتَرَطَ فِي الْمَالِ أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا. قَالَ: فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا الدَّفْعُ فِيهَا وَسِيلَةٌ إلَى الْمَعْصِيَةِ بِأَكْلِ الْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مَامُورٌ بِهِ , لِرُجْحَانِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَعَ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ.
وفي الموسوعة الفقهية أيضا عن الحيل:
(حِيلَةٌ) التَّعْرِيفُ:
1 -الْحِيلَةُ لُغَةً: الْحِذْقُ فِي تَدْبِيرِ الْأُمُورِ , وَهُوَ تَقْلِيبُ الْفِكْرِ حَتَّى يَهْتَدِيَ إلَى الْمَقْصُودِ , وَأَصْلُ الْيَاءِ وَاوٌ , وَهِيَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى حَالَةٍ مَا , فِي خُفْيَةٍ. وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهَا فِيمَا فِي تَعَاطِيهِ خُبْثٌ. وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا فِيهِ حِكْمَةٌ. وَأَصْلُهَا مِنْ الْحَوْلِ , وَهُوَ التَّحَوُّلُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ بِنَوْعِ تَدْبِيرٍ وَلُطْفٍ يُحِيلُ بِهِ الشَّيْءَ عَنْ ظَاهِرِهِ , أَوْ مِنْ الْحَوْلِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ. وَتُجْمَعُ الْحِيلَةُ عَلَى الْحِيَلِ. أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ فَيَسْتَعْمِلُ الْفُقَهَاءُ الْحِيلَةَ بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ