الصفحة 6 من 429

الْمَفْسَدَةِ قَلِيلًا أَوْ نَادِرًا. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الذَّرِيعَةَ إلَى الْفَسَادِ تُسَدُّ سَوَاءٌ قَصَدَ الْفَاعِلُ التَّوَصُّلَ بِهَا إلَى الْفَسَادِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ. 7 - وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِيهِ فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ غَالِبًا , فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَالْخِلَافُ مِنْ ذَلِكَ جَارٍ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَدُّهُ مِنْ الذَّرَائِعِ , أَمَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِسَدِّهِ مِنْهَا فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ فَلَا خِلَافَ فِي الْأَخْذِ بِذَلِكَ , كَالنَّهْيِ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَسُبُّوا اللَّهَ تَعَالَى , وَكَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ حُكْمِ الْمُجْتَهِدِ بِتَحْرِيمِ الْوَسِيلَةِ الْمُبَاحَةِ إنْ كَانَتْ تُفْضِي إلَى الْمَفْسَدَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ أَوْ الْغَلَبَةِ.

وَفِيمَا يَلِي فُرُوعٌ تَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.

8 -أ - بُيُوعُ الْآجَالِ: وَهِيَ بُيُوعٌ ظَاهِرُهَا الْجَوَازُ , لَكِنْ مَنَعَ مِنْهَا مَالِكٌ مَا كَثُرَ قَصْدُ النَّاسِ لَهُ تَوَصُّلًا لِلرِّبَا الْمَمْنُوعِ فَيُمْنَعُ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ الْعَاقِدُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ , فَإِنْ قَلَّ قَصْدُ النَّاسِ لَهُ لَمْ يُمْنَعْ. فَمِمَّا يُمْنَعُ مِنْهَا الْبَيْعُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى سَلَفٍ بِمَنْفَعَةٍ , كَمَا لَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِعَشْرَةٍ إلَى سَنَةٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِخَمْسَةٍ نَقْدًا , فَآلَ أَمْرُهُ لِدَفْعِ خَمْسَةٍ نَقْدًا يَاخُذُ عَنْهَا بَعْدَ الْأَجَلِ عَشْرَةً.

9 -ب - وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ تَاجِيلِ الصَّدَاقِ:

فَيُكْرَهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَاجِيلُ الصَّدَاقِ وَلَوْ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ كَسَنَةٍ مَثَلًا إنْ كَانَ الْمُؤَجَّلُ الصَّدَاقَ كُلَّهُ , لِئَلَّا يَتَذَرَّعَ النَّاسُ إلَى النِّكَاحِ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَيُظْهِرُوا أَنَّ هُنَاكَ صَدَاقًا مُؤَجَّلًا.

10 -ج - إذَا اشْتَرَى ثَمَرًا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ جَازَ إنْ شَرَطَا الْقَطْعَ فِي الْحَالِ

, فَإِنْ شَرَطَا ذَلِكَ ثُمَّ تُرِكَ عَلَى الشَّجَرِ حَتَّى بَدَا صَلَاحُهُ , فَإِنْ كَانَ قَاصِدًا لِتَرْكِهِ حَالَ الْعَقْدِ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ عِنْدَ أَحْمَدَ , أَمَّا إنْ تَرَكَهُ وَلَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِذَلِكَ حِينَ الْعَقْدِ فَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا: يَبْطُلُ أَيْضًا ; لِأَنَّ تَصْحِيحَ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ ذَرِيعَةً إلَى شِرَاءِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ثُمَّ تُتْرَكُ إلَى أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا , فَيَكُونَ ذَرِيعَةً إلَى الْحَرَامِ , فَيَكُونَ حَرَامًا. وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ , وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ.

11 -د - صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ وَالسِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ:

جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَقْلًا عَنْ تُحْفَةِ الْفُقَهَاءِ: يُكْرَهُ الصَّوْمُ قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ , إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ} قَالَ: وَإِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ إذَا اعْتَادُوا ذَلِكَ , وَعَنْ هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: يُكْرَهُ وَصْلُ رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ. قَالَ: وَلَا يُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ تَطَوُّعًا إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ الْعَوَّامُ لِئَلَّا يَعْتَادُوا صَوْمَهُ فَيَظُنُّهُ الْجُهَّالُ زِيَادَةً فِي رَمَضَانَ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي صِيَامِ السِّتِّ مِنْ شَوَّالٍ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُلْحَقَ بِرَمَضَانَ صِيَامُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ مَخَافَةَ أَنْ يَلْحَقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ , وَأَمَّا الرَّجُلُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ فَلَا يُكْرَهُ لَهُ صِيَامُهَا. وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت