الصفحة 5 من 429

وَكَالنَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَسِيلَةٌ إلَى التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهَا. وَفِي فَسْخِ الْبَيْعِ إنْ وَقَعَ فِي وَقْتِ النَّهْيِ خِلَافٌ. 3 - وَأَنْكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ. وَقَالُوا: إنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ لَيْسَ مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ ; لِأَنَّ الذَّرَائِعَ هِيَ الْوَسَائِلُ , وَالْوَسَائِلُ مُضْطَرِبَةٌ اضْطِرَابًا شَدِيدًا , فَقَدْ تَكُونُ حَرَامًا , وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً , وَقَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً , أَوْ مَنْدُوبَةً , أَوْ مُبَاحَةً. وَتَخْتَلِفُ مَعَ مَقَاصِدِهَا حَسَبَ قُوَّةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَضَعْفِهَا , وَخَفَاءِ الْوَسِيلَةِ , وَظُهُورِهَا , فَلَا يُمْكِنُ ادِّعَاءُ دَعْوَى كُلِّيَّةٍ بِاعْتِبَارِهَا وَلَا بِإِلْغَائِهَا , وَمَنْ تَتَبَّعَ فُرُوعَهَا الْفِقْهِيَّةَ ظَهَرَ لَهُ هَذَا , وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ غَيْرُ كَافِيَةٍ فِي الِاعْتِبَارِ. إذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَاعْتُبِرْت مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فَضْلٍ خَاصٍّ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا أَوْ إلْغَاءَهَا. وَقَالُوا: إنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ , كَمَا قَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى قَوْمٍ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا بِخِلَافِ مَا أَظْهَرُوا. وَحَكَمَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِدَرْءِ الْحَدِّ مَعَ وُجُودِ عَلَامَةِ الزِّنَى , وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَتَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى الْوَصْفِ الْمَكْرُوهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا يُبْطِلُ حُكْمَ الدَّلَالَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنْ الذَّرَائِعِ , فَإِذَا أُبْطِلَ الْأَقْوَى مِنْ الدَّلَائِلِ أُبْطِلَ الْأَضْعَفُ مِنْ الذَّرَائِعِ كُلِّهَا. 4 - وَقَدْ قَسَّمَ الْقَرَافِيُّ: الذَّرَائِعَ إلَى الْفَسَادِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى سَدِّهِ وَمَنْعِهِ وَحَسْمِهِ , كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إهْلَاكِهِمْ فِيهَا , وَكَذَلِكَ إلْقَاءُ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ , وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا , وَيُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ سَبِّهَا. وَقِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ مَنْعِهِ , وَأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لَا تُسَدُّ , وَوَسِيلَةٌ لَا تُحْسَمُ , كَالْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ أَنْ تُعْصَرَ مِنْهُ الْخَمْرُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ , وَكَالْمَنْعِ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْبُيُوتِ خَشْيَةَ الزِّنَى. وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُسَدُّ أَمْ لَا , كَبُيُوعِ الْآجَالِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , كَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً إلَى شَهْرٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ , ثُمَّ اشْتَرَاهَا نَقْدًا بِخَمْسَةٍ قَبْلَ آخِرِ الشَّهْرِ. فَمَالِكٌ يَقُولُ: إنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ خَمْسَةً الْآنَ وَأَخَذَ عَشْرَةً آخِرَ الشَّهْرِ , فَهَذِهِ وَسِيلَةٌ لِسَلَفِ خَمْسَةٍ بِعَشْرَةٍ إلَى أَجَلٍ تَوَسُّلًا بِإِظْهَارِ صُورَةِ الْبَيْعِ لِذَلِكَ. وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: يُنْظَرُ إلَى صُورَةِ الْبَيْعِ وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ , قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذِهِ الْبُيُوعُ تَصِلُ إلَى أَلْفِ مَسْأَلَةٍ اخْتَصَّ بِهَا مَالِكٌ وَخَالَفَهُ فِيهَا الشَّافِعِيُّ. 5 - أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ , فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيًّا , فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُسَدُّ , وَلَكِنَّ التَّقِيَّ السُّبْكِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ , بَلْ هُوَ مِنْ تَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ , وَالْوَسَائِلُ تَسْتَلْزِمُ الْمُتَوَسَّلَ إلَيْهِ , وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا , كَمَنْ حَبَسَ شَخْصًا وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَهَذَا قَاتِلٌ لَهُ , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ فِي شَيْءٍ. وَالنِّزَاعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ لَيْسَ فِي الذَّرَائِعِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَدِّهَا. وَقَالَ التَّاجُ بْنُ السُّبْكِيّ: وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَاعِدَةَ سَدِّ الذَّرَائِعِ يَقُولُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ , فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَفْسُدُ عَقْدٌ أَبَدًا إلَّا بِالْعَقْدِ نَفْسِهِ , وَلَا يَفْسُدُ بِشَيْءٍ تَقَدَّمَهُ وَلَا تَأَخَّرَهُ , وَلَا بِتَوَهُّمٍ. وَلَا تَفْسُدُ الْعُقُودُ بِأَنْ يُقَالَ: هَذِهِ ذَرِيعَةٌ , وَهَذِهِ نِيَّةُ سُوءٍ , أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى سَيْفًا , وَنَوَى بِشِرَائِهِ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ , كَانَ الشِّرَاءُ حَلَالًا , وَكَانَتْ نِيَّةُ الْقَتْلِ غَيْرَ جَائِزَةٍ , وَلَمْ يَبْطُلْ بِهَا الْبَيْعُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْبَائِعُ سَيْفًا مِنْ رَجُلٍ لَا يَرَاهُ أَنَّهُ يَقْتُلُ بِهِ رَجُلًا كَانَ هَكَذَا. 6 - وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَدُّ فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت