الصفحة 4 من 429

1 -السَّدُّ فِي اللُّغَةِ: إغْلَاقُ - الْخَلَلِ. وَالذَّرِيعَةُ: الْوَسِيلَةُ إلَى الشَّيْءِ يُقَالُ: تَذَرَّعَ فُلَانٌ بِذَرِيعَةٍ أَيْ تَوَسَّلَ بِهَا إلَى مَقْصِدِهِ , وَالْجَمْعُ ذَرَائِعُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هِيَ الْأَشْيَاءُ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْإِبَاحَةُ وَيُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى فِعْلٍ مَحْظُورٍ. وَمَعْنَى سَدِّ الذَّرِيعَةِ: حَسْمُ مَادَّةِ وَسَائِلِ الْفَسَادِ دَفْعًا لَهَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ السَّالِمُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ وَسِيلَةً إلَى مَفْسَدَةٍ.

(الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ) :

2 -اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ سَدِّ الذَّرَائِعِ وَاعْتِبَارِهَا مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ: فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهَا مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا يَاتِي: 1 - قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} , قَالُوا: نَهَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ سَبِّ آلِهَةِ الْكُفَّارِ لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى سَبِّ اللَّهِ تَعَالَى , وَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ كَلِمَةِ (رَاعِنَا) بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا} لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلْيَهُودِ إلَى سَبِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّ كَلِمَةَ (رَاعِنَا) فِي لُغَتِهِمْ سَبٌّ لِلْمُخَاطَبِ. 2 - قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك} . وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ , فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ , وَمَنْ وَقَعَ فِي الْمُشَبَّهَاتِ كَانَ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى , أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ} . وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: إنَّ أَبْوَابَ الذَّرَائِعِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَلَا يُمْكِنُ حَصْرُهَا. 3 - إنَّ إبَاحَةَ الْوَسَائِلِ إلَى الشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ الْمُفْضِيَةِ إلَيْهِ نَقْضٌ لِلتَّحْرِيمِ , وَإِغْرَاءٌ لِلنُّفُوسِ بِهِ , وَحِكْمَةُ الشَّارِعِ وَعِلْمُهُ يَابَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ , بَلْ سِيَاسَةُ مُلُوكِ الدُّنْيَا تَابَى ذَلِكَ , فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ مَنَعَ جُنْدَهُ أَوْ رَعِيَّتَهُ مِنْ شَيْءٍ , ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ الطُّرُقَ وَالْوَسَائِلَ إلَيْهِ , لَعُدَّ مُتَنَاقِضًا , وَلَحَصَلَ مِنْ جُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ خِلَافُ مَقْصُودِهِ. وَكَذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ إذَا أَرَادُوا حَسْمَ الدَّاءِ مَنَعُوا صَاحِبَهُ مِنْ الطُّرُقِ وَالذَّرَائِعِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ , وَإِلَّا فَسَدَ عَلَيْهِمْ مَا يَرُومُونَ إصْلَاحَهُ. 4 - اسْتِقْرَاءُ مَوَارِدِ التَّحْرِيمِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَظْهَرُ أَنَّ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ تَحْرِيمَ الْمَقَاصِدِ , كَتَحْرِيمِ الشِّرْكِ وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَتْلِ الْعُدْوَانِ , وَمِنْهَا مَا هُوَ تَحْرِيمٌ لِلْوَسَائِلِ وَالذَّرَائِعِ الْمُوَصِّلَةِ لِذَلِكَ وَالْمُسَهِّلَةِ لَهُ. اسْتَقْرَى ذَلِكَ ابْنُ الْقَيِّمِ فَذَكَرَ لِتَحْرِيمِ الذَّرَائِعِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مِثَالًا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَمِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ إلَى الزِّنَى: تَحْرِيمُ النَّظَرِ الْمَقْصُودِ إلَى الْمَرْأَةِ , وَتَحْرِيمُ الْخَلْوَةِ بِهَا , وَتَحْرِيمُ إظْهَارِهَا لِلزِّينَةِ الْخَفِيَّةِ , وَتَحْرِيمُ سَفَرِهَا وَحْدَهَا سَفَرًا بَعِيدًا وَلَوْ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ , وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَاتِ , وَوُجُوبُ الِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ إلَى الْبُيُوتِ , وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وَمِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ إلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ: تَحْرِيمُ الْقَلِيلِ مِنْهُ وَلَوْ قَطْرَةً , كَمَا فِي الْحَدِيثِ {لَوْ رَخَّصْت لَكُمْ فِي هَذِهِ لَأُوشِكُ أَنْ تَجْعَلُوهَا مِثْلَ هَذِهِ} . وَالنَّهْيُ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ , وَالنَّهْيُ عَنْ شُرْبِ الْعَصِيرِ بَعْدَ ثَلَاثٍ , وَالنَّهْيُ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي بَعْضِ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يُسْرِعُ التَّخَمُّرُ إلَى مَا يُنْتَبَذُ فِيهَا. وَمِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ إلَى الْقَتْلِ: النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ , وَالنَّهْيُ عَنْ تَعَاطِي السَّيْفِ مَسْلُولًا , وَإِيجَابُ الْقِصَاصِ دَرْءًا لِلتَّهَاوُنِ بِالْقَتْلِ , لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} . وَكَثِيرٌ مِنْ مَنْهِيَّاتِ الصَّلَاةِ وَمَكْرُوهَاتِهَا مَرْجِعُهَا إلَى هَذَا الْأَصْلِ , كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ زَوَالِهَا وَعِنْدَ غُرُوبِهَا , وَكَرَاهَةُ الصَّلَاةِ إلَى الصُّورَةِ , أَوْ النَّارِ , أَوْ وَجْهِ إنْسَانٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت