5 -أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ , فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْمَفْسَدَةِ قَطْعِيًّا , فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ يُسَدُّ , وَلَكِنَّ التَّقِيَّ السُّبْكِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ , بَلْ هُوَ مِنْ تَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ , وَالْوَسَائِلُ تَسْتَلْزِمُ الْمُتَوَسَّلَ إلَيْهِ , وَلَا نِزَاعَ فِي هَذَا , كَمَنْ حَبَسَ شَخْصًا وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَهَذَا قَاتِلٌ لَهُ , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ فِي شَيْءٍ. وَالنِّزَاعُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ لَيْسَ فِي الذَّرَائِعِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَدِّهَا. وَقَالَ التَّاجُ بْنُ السُّبْكِيّ: وَلَمْ يُصِبْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَاعِدَةَ سَدِّ الذَّرَائِعِ يَقُولُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ , فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَقُولُ بِشَيْءٍ مِنْهَا. وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ بِمَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَفْسُدُ عَقْدٌ أَبَدًا إلَّا بِالْعَقْدِ نَفْسِهِ , وَلَا يَفْسُدُ بِشَيْءٍ تَقَدَّمَهُ وَلَا تَأَخَّرَهُ , وَلَا بِتَوَهُّمٍ. وَلَا تَفْسُدُ الْعُقُودُ بِأَنْ يُقَالَ: هَذِهِ ذَرِيعَةٌ , وَهَذِهِ نِيَّةُ سُوءٍ , أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى سَيْفًا , وَنَوَى بِشِرَائِهِ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ , كَانَ الشِّرَاءُ حَلَالًا , وَكَانَتْ نِيَّةُ الْقَتْلِ غَيْرَ جَائِزَةٍ , وَلَمْ يَبْطُلْ بِهَا الْبَيْعُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ الْبَائِعُ سَيْفًا مِنْ رَجُلٍ لَا يَرَاهُ أَنَّهُ يَقْتُلُ بِهِ رَجُلًا كَانَ هَكَذَا.
6 -وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَدُّ فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْمَفْسَدَةِ قَلِيلًا أَوْ نَادِرًا. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الذَّرِيعَةَ إلَى الْفَسَادِ تُسَدُّ سَوَاءٌ قَصَدَ الْفَاعِلُ التَّوَصُّلَ بِهَا إلَى الْفَسَادِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ.
7 -وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِيهِ فَهُوَ مَا كَانَ أَدَاؤُهُ إلَى الْمَفْسَدَةِ كَثِيرًا لَكِنَّهُ لَيْسَ غَالِبًا , فَهَذَا مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَالْخِلَافُ مِنْ ذَلِكَ جَارٍ فِي غَيْرِ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ سَدُّهُ مِنْ الذَّرَائِعِ , أَمَّا مَا جَاءَ النَّصُّ بِسَدِّهِ مِنْهَا فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ فَلَا خِلَافَ فِي الْأَخْذِ بِذَلِكَ , كَالنَّهْيِ عَنْ سَبِّ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ لِئَلَّا يَسُبُّوا اللَّهَ تَعَالَى , وَكَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جَوَازِ حُكْمِ الْمُجْتَهِدِ بِتَحْرِيمِ الْوَسِيلَةِ الْمُبَاحَةِ إنْ كَانَتْ تُفْضِي إلَى الْمَفْسَدَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ أَوْ الْغَلَبَةِ.
وحتى يكون هذا الموضوع متكاملا فقد قمت بتلخيص أقوال أهل العلم في هذا الموضوع
أخوكم
علي بن حمزة الشامي
13 رجب 1425 هـ الموافق 28/ 8/2004 م
وفي الموسوعة الفقهية:
سَدُّ الذَّرَائِعِ. التَّعْرِيفُ: