الصفحة 2 من 429

تَحْرِيمُ النَّظَرِ الْمَقْصُودِ إلَى الْمَرْأَةِ , وَتَحْرِيمُ الْخَلْوَةِ بِهَا , وَتَحْرِيمُ إظْهَارِهَا لِلزِّينَةِ الْخَفِيَّةِ , وَتَحْرِيمُ سَفَرِهَا وَحْدَهَا سَفَرًا بَعِيدًا وَلَوْ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ فِي ذَلِكَ , وَتَحْرِيمُ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَاتِ , وَوُجُوبُ الِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ إلَى الْبُيُوتِ , وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. وَمِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ إلَى شُرْبِ الْمُسْكِرِ: تَحْرِيمُ الْقَلِيلِ مِنْهُ وَلَوْ قَطْرَةً , كَمَا فِي الْحَدِيثِ {لَوْ رَخَّصْت لَكُمْ فِي هَذِهِ لَأُوشِكُ أَنْ تَجْعَلُوهَا مِثْلَ هَذِهِ} . وَالنَّهْيُ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ , وَالنَّهْيُ عَنْ شُرْبِ الْعَصِيرِ بَعْدَ ثَلَاثٍ , وَالنَّهْيُ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي بَعْضِ الْأَوْعِيَةِ الَّتِي يُسْرِعُ التَّخَمُّرُ إلَى مَا يُنْتَبَذُ فِيهَا. وَمِنْ سَدِّ الذَّرَائِعِ إلَى الْقَتْلِ: النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ , وَالنَّهْيُ عَنْ تَعَاطِي السَّيْفِ مَسْلُولًا , وَإِيجَابُ الْقِصَاصِ دَرْءًا لِلتَّهَاوُنِ بِالْقَتْلِ , لقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} . وَكَثِيرٌ مِنْ مَنْهِيَّاتِ الصَّلَاةِ وَمَكْرُوهَاتِهَا مَرْجِعُهَا إلَى هَذَا الْأَصْلِ , كَالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ زَوَالِهَا وَعِنْدَ غُرُوبِهَا , وَكَرَاهَةُ الصَّلَاةِ إلَى الصُّورَةِ , أَوْ النَّارِ , أَوْ وَجْهِ إنْسَانٍ. وَكَالنَّهْيِ عَنْ الْبَيْعِ بَعْدَ نِدَاءِ الْجُمُعَةِ ; لِأَنَّ الْبَيْعَ وَسِيلَةٌ إلَى التَّخَلُّفِ عَنْ الْجُمُعَةِ أَوْ فَوَاتِ بَعْضِهَا. وَفِي فَسْخِ الْبَيْعِ إنْ وَقَعَ فِي وَقْتِ النَّهْيِ خِلَافٌ.

3 -وَأَنْكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ. وَقَالُوا: إنَّ سَدَّ الذَّرَائِعِ لَيْسَ مِنْ أَدِلَّةِ الْفِقْهِ ; لِأَنَّ الذَّرَائِعَ هِيَ الْوَسَائِلُ , وَالْوَسَائِلُ مُضْطَرِبَةٌ اضْطِرَابًا شَدِيدًا , فَقَدْ تَكُونُ حَرَامًا , وَقَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً , وَقَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً , أَوْ مَنْدُوبَةً , أَوْ مُبَاحَةً. وَتَخْتَلِفُ مَعَ مَقَاصِدِهَا حَسَبَ قُوَّةِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ وَضَعْفِهَا , وَخَفَاءِ الْوَسِيلَةِ , وَظُهُورِهَا , فَلَا يُمْكِنُ ادِّعَاءُ دَعْوَى كُلِّيَّةٍ بِاعْتِبَارِهَا وَلَا بِإِلْغَائِهَا , وَمَنْ تَتَبَّعَ فُرُوعَهَا الْفِقْهِيَّةَ ظَهَرَ لَهُ هَذَا , وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ غَيْرُ كَافِيَةٍ فِي الِاعْتِبَارِ. إذْ لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَاعْتُبِرْت مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. بَلْ لَا بُدَّ مِنْ فَضْلٍ خَاصٍّ يَقْتَضِي اعْتِبَارَهَا أَوْ إلْغَاءَهَا. وَقَالُوا: إنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ , كَمَا قَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى قَوْمٍ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ , وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا بِخِلَافِ مَا أَظْهَرُوا. وَحَكَمَ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِدَرْءِ الْحَدِّ مَعَ وُجُودِ عَلَامَةِ الزِّنَى , وَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ أَتَتْ بِالْوَلَدِ عَلَى الْوَصْفِ الْمَكْرُوهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهَذَا يُبْطِلُ حُكْمَ الدَّلَالَةِ الَّتِي هِيَ أَقْوَى مِنْ الذَّرَائِعِ , فَإِذَا أُبْطِلَ الْأَقْوَى مِنْ الدَّلَائِلِ أُبْطِلَ الْأَضْعَفُ مِنْ الذَّرَائِعِ كُلِّهَا.

4 -وَقَدْ قَسَّمَ الْقَرَافِيُّ: الذَّرَائِعَ إلَى الْفَسَادِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى سَدِّهِ وَمَنْعِهِ وَحَسْمِهِ , كَحَفْرِ الْآبَارِ فِي طُرُقِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى إهْلَاكِهِمْ فِيهَا , وَكَذَلِكَ إلْقَاءُ السُّمِّ فِي أَطْعِمَتِهِمْ , وَسَبِّ الْأَصْنَامِ عِنْدَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا , وَيُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَسُبُّ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ سَبِّهَا. وَقِسْمٌ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى عَدَمِ مَنْعِهِ , وَأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ لَا تُسَدُّ , وَوَسِيلَةٌ لَا تُحْسَمُ , كَالْمَنْعِ مِنْ زِرَاعَةِ الْعِنَبِ خَشْيَةَ أَنْ تُعْصَرَ مِنْهُ الْخَمْرُ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ , وَكَالْمَنْعِ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْبُيُوتِ خَشْيَةَ الزِّنَى. وَقِسْمٌ اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ هَلْ يُسَدُّ أَمْ لَا , كَبُيُوعِ الْآجَالِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ , كَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً إلَى شَهْرٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ , ثُمَّ اشْتَرَاهَا نَقْدًا بِخَمْسَةٍ قَبْلَ آخِرِ الشَّهْرِ. فَمَالِكٌ يَقُولُ: إنَّهُ أَخْرَجَ مِنْ يَدِهِ خَمْسَةً الْآنَ وَأَخَذَ عَشْرَةً آخِرَ الشَّهْرِ , فَهَذِهِ وَسِيلَةٌ لِسَلَفِ خَمْسَةٍ بِعَشْرَةٍ إلَى أَجَلٍ تَوَسُّلًا بِإِظْهَارِ صُورَةِ الْبَيْعِ لِذَلِكَ. وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: يُنْظَرُ إلَى صُورَةِ الْبَيْعِ وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ , قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَهَذِهِ الْبُيُوعُ تَصِلُ إلَى أَلْفِ مَسْأَلَةٍ اخْتَصَّ بِهَا مَالِكٌ وَخَالَفَهُ فِيهَا الشَّافِعِيُّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت