الصفحة 28 من 429

مَشْهُورٌ يُلْتَفَتُ إلَى مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَايِبَةِ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ ثَلَاثِ رِوَايَاتٍ: إحْدَاهُنَّ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ بِحَالٍ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدِ. وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ وَإِنْ لَمْ يُوصَفْ وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ , وَكَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى رَوَى عَنْ أَحْمَدَ لَا خِيَارَ لَهُ. وَالثَّالِثَةُ: وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ أَنَّهُ يَصِحُّ بِالصِّفَةِ وَلَا يَصِحُّ بِدُونِهَا , كَالْمُطْلَقِ الَّذِي فِي الذِّمَّةِ , وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ , وَمَفْسَدَةُ الْغَرَرِ أَقَلُّ مِنْ الرِّبَا , فَكَذَلِكَ رُخِّصَ فِيمَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ , فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنْ ضَرَرِ كَوْنِهِ غَرَرًا , مِثْلُ: بَيْعِ الْعَقَارِ , وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ دَوَاخِلُ الْحِيطَانِ وَالْأَسَاسِ , وَمِثْلُ بَيْعِ الْحَيَوَانِ الْحَامِلِ أَوْ الْمُرْضِعِ , وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ الْحَمْلِ وَاللَّبَنِ , وَإِنْ كَانَ قَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْحَمْلِ مُفْرَدًا , وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ , وَمِثْلُ بَيْعِ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا , فَإِنَّهُ يَصِحُّ مُسْتَحِقُّ الْإِبْقَاءِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ , وَذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ , وَإِنْ كَانَتْ الْأَجْزَاءُ الَّتِي يَكْمُلُ بِهَا الصَّلَاحُ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ. وَجُوِّزَ صلى الله عليه وسلم لِمَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ثَمَرَتَهَا , فَيَكُونُ قَدْ اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا , لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ لِلْأَصْلِ , فَظَهَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنْ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ ضِمْنًا وَتَبَعًا مَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ , وَلَمَّا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى الْعَرَايَا أُرْخِصَ فِي بَيْعِهَا بِالْخَرْصِ , وَلَمْ يُجَوَّزْ الْفَاضِلُ الْمُتَيَقَّنُ , بَلْ صَوْغُ الْمُسَاوَاةِ بِالْخَرْصِ فِي الْقَلِيلِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ , وَهُوَ قَدْرُ النِّصَابِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ , أَوْ مَا دُونَهُ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ , وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ مَا دُونَ النِّصَابِ , إذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ فَأُصُولُ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعَاتِ أَجْوَدُ مِنْ أُصُولِ غَيْرِهِ , أُخِذَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , الَّذِي كَانَ يُقَالُ هُوَ أَفْقَهُ النَّاسِ فِي الْبُيُوعِ , كَمَا كَانَ يُقَالُ عَطَاءٌ أَفْقَهُ النَّاسِ فِي الْمَنَاسِكِ ; وَإِبْرَاهِيمُ أَفْقَهُهُمْ فِي الصَّلَاةِ , وَالْحَسَنُ أَجْمَعُهُمْ كَذَلِكَ. وَلِهَذَا وَافَقَ أَحْمَدُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ فِي أَغْلَبِ مَا فُضِّلَ فِيهِ لِمَنْ اسْتَقْرَأَ ذَلِكَ مِنْ أَجْوِبَتِهِ ; وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ مُوَافِقٌ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ , يُحَرِّمَانِ الرِّبَا وَيُشَدِّدَانِ فِيهِ حَقَّ التَّشْدِيدِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ شِدَّةِ تَحْرِيمِهِ وَعِظَمِ مَفْسَدَتِهِ , وَيَمْنَعَانِ الِاحْتِيَالَ عَلَيْهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ حَتَّى قَدْ يَمْنَعَا الذَّرِيعَةَ الَّتِي تُفْضِي إلَيْهِ , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ , وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يُبَالِغُ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ مَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَحْمَدَ فِيهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: لَكِنْ يُوَافِقُهُ بِلَا خِلَافٍ مِنْهُ عَلَى مَنْعِ الْحِيَلِ كُلِّهَا

1022 - 1 كِتَابُ الْمَلَاهِي مَسْأَلَةٌ: عَنْ اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ , أَحَرَامٌ هُوَ أَمْ مَكْرُوهٌ أَمْ مُبَاحٌ؟

فَإِنْ قُلْتُمْ حَرَامٌ , فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ , وَإِنْ قُلْتُمْ مَكْرُوهٌ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى كَرَاهَتِهِ , أَوْ يُبَاحُ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى إبَاحَتِهِ؟. الْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , اللَّعِبُ بِهَا مِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ , وَمَكْرُوهٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ , وَلَيْسَ مِنْ اللَّعِبِ بِهَا مَا هُوَ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ اشْتَمَلَ اللَّعِبُ بِهَا عَلَى الْعِوَضِ كَانَ حَرَامًا بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إمَامُ الْمَغْرِبِ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ اللَّعِبَ بِهَا عَلَى الْعِوَضِ قِمَارٌ لَا يَجُوزُ , وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَمَلَ اللَّعِبُ بِهَا عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ , أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ مِثْلَ أَنْ يَتَضَمَّنَ تَاخِيرَ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا , أَوْ تَرْكَ مَا يَجِبُ فِيهَا مِنْ أَعْمَالِهَا الْوَاجِبَةِ بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا , فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ حَرَامًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: عَنْ {النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ , يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إذَا صَارَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ قَامَ , فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا} . فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الصَّلَاةَ صَلَاةَ الْمُنَافِقِينَ , وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ صَلَاتَهُمْ بِقَوْلِهِ: إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت