خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا. وَقَالَ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} . وَقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ السَّهْوَ عَنْهَا بِتَاخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا , وَبِتَرْكِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ فِيهِ , كَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ صَلَاةَ الْمُنَافِقِ تَشْتَمِلُ عَلَى التَّاخِيرِ وَالتَّطْفِيفِ. قَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: إنَّ الصَّلَاةَ مِكْيَالٌ , فَمَنْ وَفَى وُفِّيَ لَهُ , وَمَنْ طَفَّفَ فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا قَالَ اللَّهُ فِي الْمُطَفِّفِينَ. وَكَذَلِكَ فَسَرُّوا قَوْلَهُ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ} . قَالَ: إضَاعَتُهَا تَاخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا وَإِضَاعَةُ حُقُوقِهَا , كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {إنَّ الْعَبْدَ إذَا أَكْمَلَ الصَّلَاةَ بِطُهُورِهَا وَقِرَاءَتِهَا وَخُشُوعِهَا صَعِدَتْ وَلَهَا بُرْهَانٌ كَبُرْهَانِ الشَّمْسِ , وَتَقُولُ: حَفِظَك اللَّهُ كَمَا حَفِظْتنِي , وَإِذَا لَمْ يُكْمِلْ طُهُورَهَا وَقِرَاءَتَهَا وَخُشُوعَهَا فَإِنَّهَا تُلَفُّ كَمَا يُلَفُّ الثَّوْبُ , وَيُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ صَاحِبِهَا وَتَقُولُ: ضَيَّعَك اللَّهُ كَمَا ضَيَّعْتنِي} . وَالْعَبْدُ وَإِنْ أَقَامَ صُورَةَ الصَّلَاةِ الظَّاهِرَةَ فَلَا ثَوَابَ إلَّا عَلَى قَدْرِ مَا حَضَرَ قَلْبُهُ فِيهِ مِنْهَا , كَمَا جَاءَ فِي السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد , وَغَيْرِهِ: عَنْ {النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: إنَّ الْعَبْدَ لَيَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنْهَا إلَّا نِصْفُهَا , إلَّا ثُلُثُهَا , إلَّا رُبْعُهَا , إلَّا خُمُسُهَا , إلَّا سُدُسُهَا , إلَّا سُبُعُهَا , إلَّا ثُمُنُهَا , إلَّا تُسْعُهَا , إلَّا عُشْرُهَا} . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما لَيْسَ لَك مِنْ صَلَاتِك إلَّا مَا عَقَلْتَ مِنْهَا. وَإِذَا غَلَبَ عَلَيْهَا الْوَسْوَاسُ فَفِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهَا وَوُجُوبِ الْإِعَادَةِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَامِدٍ , وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمَا". وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الشِّطْرَنْجَ مَتَى شَغَلَ عَمَّا يَجِبُ بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَشَغْلُهُ عَنْ إكْمَالِ الْوَاجِبَاتِ أَوْضَحُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى بَسْطٍ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَغَلَ عَنْ وَاجِبٍ مِنْ غَيْرِ الصَّلَاةِ مِنْ مَصْلَحَةِ النَّفْسِ أَوْ الْأَهْلِ , أَوْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ , أَوْ صِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ , أَوْ مَا يَجِبُ فِعْلُهُ مِنْ نَظَرٍ فِي وِلَايَةٍ أَوْ إمَامَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ , وَقَلَّ عَبْدٌ اشْتَغَلَ بِهَا إلَّا شَغَلَتْهُ عَنْ وَاجِبٍ , فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ التَّحْرِيمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مُحَرَّمٍ أَوْ اسْتَلْزَمَتْ مُحَرَّمًا. فَإِنَّهَا تَحْرُمُ بِالِاتِّفَاقِ , مِثْلَ اشْتِمَالِهَا عَلَى الْكَذِبِ وَالْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ , أَوْ الْخِيَانَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمُغَاضَاةَ أَوْ عَلَى الظُّلْمِ , أَوْ الْإِعَانَةِ عَلَيْهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ , فَكَيْفَ إذَا كَانَ فِي الشِّطْرَنْجِ , وَالنَّرْدِ , وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ أَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ فَسَادًا غَيْرَ ذَلِكَ مِثْلَ اجْتِمَاعٍ عَلَى مُقَدِّمَاتِ الْفَوَاحِشِ , أَوْ التَّعَاوُنِ عَلَى الْعُدْوَانِ , أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ , أَوْ مِثْلَ أَنْ يُفْضِيَ اللَّعِبُ بِهَا إلَى الْكَثْرَةِ وَالظُّهُورِ الَّذِي يُشْتَمَلُ مَعَهُ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ فَهَذِهِ الصُّوَرُ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا يَتَّفِقُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِهَا فِيهَا. وَإِذَا قُدِّرَ خُلُوُّهَا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَالْمَنْقُولُ عَنْ الصَّحَابَةِ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ , وَصَحَّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ؟ شَبَّهَهُمْ بِالْعَاكِفِينَ عَلَى الْأَصْنَامِ , كَمَا فِي الْمُسْنَدِ عَنْ {النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنٍ} . وَالْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ قَرِينَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْهَا مَعْرُوفٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ , وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ , وَأَصْحَابِهِ , وَأَحْمَدَ , وَأَصْحَابِهِ تَحْرِيمُهَا. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: أَكْرَهُ اللَّعِبَ بِهَا لِلْخَبَرِ , وَاللَّعِبُ بِالشِّطْرَنْجِ وَالْحَمَامِ بِغَيْرِ قِمَارٍ وَإِنْ كَرِهْنَاهُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ النَّرْدِ , وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا مَضْمُونُهُ أَنَّهُ"