أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران: 103] . كما قال: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]
وإن الله لَيرضى من عباده المؤمنين إذا صفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان [1] : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف: 4] .
صافين أنفسهم، أو مصفوفين. مشبهين في تراصهم من غير فرجة وخلل بنيانًا رُصّ بعضه إلى بعض، ورصف حتى صار شيئًا واحدًا [2] ، قال الفراء: مرصوص بالرصاص. قال المبرد: هو مأخوذ من رصصت البناء: إذا لايمت بينه وقاربت حتى يصير كقطعة واحدة، وقيل: هو من الرصيص وهو ضم الأشياء بعضها إلى بعض، والتراص: التلاصق [3] . وهذا الصف الظاهري ينبئ عن وحدة وتماسك داخلي.
وقد جعل الله اتفاق الكلمة وعدم التنازع من أسباب النصر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ * وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 45 - 46]
ومن كلام ابن القيم في استنباطه أسباب النصر من هاتين الآيتين: «الرابع: اتفاق الكلمة وعدم التنازع الذي يوجب الفشل والوهن، وهو جند يقوّي به المتنازعون عدوهم عليهم، فإنهم في اجتماعهم كالحزمة من السهام لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرقها وصار كل منهم وحده كسرها كلها [4] .
ويعلل سيد قطب الفشل الناتج عن التنازع بأنه اتباع الهوى، يقول: فما يتنازع الناس إلا حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وإلا حين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار، فإذا استسلم الناس لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - انتفى السبب الأول الرئيسي للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما هو الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصرّ
(1) تفسير ابن كثير 4/ 458.
(2) تفسير أبي السعود 8/ 243.
(3) فتح القدير 5/ 308.
(4) الفروسية لابن القيم 506.