الصفحة 19 من 78

بخاصة؛ فما بال كثير منهم يعرف مناهج الصلاح, ويبصر طائفة من قومه يتهافتون علي عماية, أو يهيمون في جهالة ولا تنهض به الهمة, ليعمل علي إفاقتهم من سكرتهم , وأراءتهم معالم فوزهم؟!

وما بال الخلاف يدب في صفوف كثير من الدعاة , فيفشلهم , ويذهب ريحهم؟

وما بال كثير منهم يخطئ سبيل الحكمة, ويؤثر مصلحته الخاصة علي مصلحة الأمة؟

وما بال كثير منهم ينطوي علي نفسه غير مكترث بمصير الأمة وغير مبال بوعيد الله لمن كتم العلم؟

وما بال الشرك يضرب بجذوره في كثير من بلاد المسلمين علي مرأي ومسمع من أهل العلم

دون أن يُغيِّر , أو ينكر؟

وما بال القبور تشيد, وتعظم , ويطاف عليها, وتعدي لها النذور, ويدعي أصحابها من

دون الله عزل وجل؟

إن السكوت عن الدعوة جرم عظيم , وذنب يجب التوبة منه؛ ذلك أنه إذا انزوي العارفون بوجوه الإصلاح رفع البغي لواءه , وبقي إخوان الفساد يترددون علي أماكن المنكرات. ولا يحسب الذين ينقطعون عن إرشاد الضالين , ووعظ المسرفين أن إقبالهم علي شأنههم , واقتصارهم في العمل الصالح علي أنفسهم يجعلهم في منجاة من سوء المنقلب الذي ينلقب إليه الفاسقون؛ فالذي جرت به سنة الله في الأمم أن وباء الظلم والفسوق إذا ضرب في أرض , وظهر في أكثر نواحيها لا تنزل عقوبته بديار الظالمين , أو الفاسقين خاصة, بل تتعداها إلى ما حولها, وترمي بشرر يلفح وجوه الذين تخلوا عن نصيحتهم , ولم يأخذوا علي أيديهم, قال تعالي { ... وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ... } [الأنفال:25] .

وعن زينب بنت جحش - رضي الله عنها - قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون.

قال: «نعم إذا كثر الخبث» رواه البخاري ومسلم.

وكما قص علينا ربنا - جل وعلا - قصة بني إسرائيل لما تركوا واجب الأمر والنهي فقال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 78 - 80] .

وإذا كان الأمر كذلك كان لزامًا علي الأمة أفرادًا وجماعات أن تتوب من التقصير في الدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن يقوم كل فرد بحسبه بما أوجب الله عليه من نصرة دين الله .. هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت