وقال آخرون: ويحتمل أن المراد تحريم جمعهما، فيكون من جملة محرّمات النكاح الجمع بين بنت نبي الله (- صلى الله عليه وسلم -) وبنت عدو الله أبى جهل، ويكون معنى (( لست أحرّم حلالا ) )أي لا أقول شيئا يخالف حكم الله، فإذا أحلّ شيئا لم أحرّمه، وإذا حرّمه لم أحلّه ولم أسكت عن تحريمه، لأن السكوت تحليل له). انتهى ما قاله العلماء شرحا للحديث الشريف (11) .
وإذا كان لنا أن نضيف شيئا فإننا نرجّح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشترط على أزواج بناته عدم الزواج عليهن، بدليل قوله عن أبى العاص:"وعدني فأوفى لي".
فإذا اشترطت المرأة أو وليّها في عقد الزواج ألا يتزوّج عليها، فإن على الزوج احترام الشرط وعدم الاقتران بأخرى إلا برضا الزوجة الأولى وتنازلها عن الشرط .. ففي الحديث الشريف: (( إن أحق الشروط أن توفّوا ما استحللتم به الفروج ) )رواه البخاري ومسلم .. ومعنى الحديث الواضح أن الشروط المدرجة في عقد الزواج هي أولى الشروط بالاحترام والالتزام بها.
وعلى ضوء هذا يتبيّن لنا أن مدحه عليه السلام لأبى العاص بن الربيع زوج ابنته زينب سببه هنا أنه التزم بما وعد به النبي من عدم الزواج عليها. ويؤيد هذا ما نلاحظه من أن عثمان بن عفان رضي الله عنه لم يتزوّج على رقية بنت النبي حتى ماتت، وتزوّج بعدها أختها أم كلثوم ولم يتزوّج عليها أيضا حتى ماتت بدورها. وذلك يقطع بأن بنات النبي لهن حكم استثنائي خاص لا ينطبق على غيرهن.
ثم أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) قد أكد - بوضوح تام - أحد أسباب اعتراضه على زواج على بن أبى طالب من الأخرى، وهو أنها ابنة عدو الله أبى جهل الطاغية الذي حارب الإسلام والمسلمين بكل شراسة ووحشية حتى الرمق الأخير من حياته الآثمة الشقية .. ومن الطبيعي ألا تتساوى ابنة عدو الله بابنة حبيب الله ورحمته للعالمين.
كما أنه لا يمكن قبول أن تكون ابنة خاتم المرسلين (وهى قطعة منه) في موضع تنافس دنيوي على قلب الزوج مع أخرى، وما يترتب على ذلك من غيرة كل منهما من الأخرى، والمشاحنات التي لا يكاد يخلو منها بيت .. فرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وابنته أرفع وأسمى من ذلك الصراع الدنيوي الذي نشهده بين النساء في كل مجتمع وفى كل زمان ومكان للفوز بقلوب الأزواج. وكذلك يخشى أن يقع بين فاطمة وضرتها ما يحدث عادة من بعض المشاحنات النسائية، فتسبّ فاطمة أبا الضرة فترد الأخرى بسبّ والد فاطمة- النبي عليه السلام - فتهلك، لأن من يسب النبي يكفر بالإجماع، و من رحمة الله بمثل تلك الضرّة إذن أن يمنع إتمام تلك الزيجة، والرجال - غير علىّ رضي الله عنه- كثيرون، وسوف تجد بسهولة صحابيا جليلا آخر يتزوجها.
كما أن ابنة محمد (- صلى الله عليه وسلم -) هي قدوة نساء العالمين، ولابد من حمايتها من منافسة أخرى لها، حتى تتفرغ مع أبيها للدعوة النبيلة إلى السلام والإسلام ..
أيضا نقول: هناك أحكام استثنائية خاصة بالأنبياء والمرسلين، وأولادهم وبناتهم قطع منهم، ولا بد من مراعاة هذه الأحكام، لأنها من صلب الإسلام والعقيدة. و مثال تلك الأحكام: اختصاصه عليه السلام بالزواج من أكثر من أربع، وتحريم الزواج بنسائه بعد وفاته.