الصفحة 19 من 61

بل إن الاستدلال هنا يكون لمصلحة أنصار التعدد وليس خصومه. لأن هذا يؤكّد أن تعدد الزوجات جاء في سياق التطور الطبيعي للبشرية، وكلما تقدّمت الحضارة الإنسانية وازدهرت وتكاثر البشر سوف تزداد الحاجة إلى التعدد ويتسع نطاق تطبيقه بمرور الزمن.

وأخيرًا فإن الأصل عندنا هو ما كانت عليه الأغلبية الساحقة من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وهو تعدد الزوجات. ومَن لا يعجبه أسلوب حياة سادة البشر فلا فائدة من الكلام أو الحوار معه أصلًا!! أم يظن أولئك أن الرسل - وهم خير خلق الله - قد فعلوا خلاف الأصل أو خلاف الأولى؟!!!

حديث السيدة فاطمة بنت الرسول

معظم المعارضين لتعدد الزوجات يحاولون استغلال واقعة رفض النبي (- صلى الله عليه وسلم -) السماح لعلىّ بن أبى طالب - كرم الله وجهه - زوج ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها - بالزواج من ابنة أبى جهل عمرو بن هشام .. وهؤلاء يزعمون أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) عندما رفض أن يتزوج علىّ ضرّة للسيدة فاطمة فإنه بذلك قد عطّل قاعدة التعدد، أو على الأقل أقرّ بالضرر والأذى الذي يسببه التعدد للزوجة الأولى.

والرد على هؤلاء يقتضى أن نورد هذا الحديث كاملا ليتبيّن لنا علل وأسباب الرفض .. ففي الحديث الذي رواه الستة (10) عن على بن الحسين عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنه: أن علىّ بن أبى طالب خطب بنت أبى جهل على فاطمة .. فسمعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وهو يخطب الناس في ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ محتلم فقال (- صلى الله عليه وسلم -) : (( إن فاطمة منى وإني أتخوّف أن تفتن في دينها ) ). قال: ثم ذكر صهرا له من بنى عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن، قال عليه السلام عنه: (( حدّثني فصدقني ووعدني فأوفى لي - يقصد أبا العاص بن الربيع - وإني لست أحرّم حلالا، ولا أحلّ حراما، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله(- صلى الله عليه وسلم -) وبنت عدو الله

مكانا واحدا أبدا )) .

وفى رواية أخرى: (( إن بنى هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علىّ بن أبى طالب، فلا إذن لهم، ثم لا إذن لهم، ثم لا إذن لهم، إلا أن يحب ابن أبى طالب أن يطلّق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة منى، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها ) )صدق صلى الله عليه وسلم. والآن نستعرض ما جاء بكتاب (صحيح مسلم بشرح النووي) تفسيرا لهذا الحديث: (قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبي(- صلى الله عليه وسلم -) بكل حال وعلى أي وجه حتى وإن تولّد هذا الأذى عن أمر كان أصله مباحا وهو حي .. وقد أعلم (- صلى الله عليه وسلم -) بإباحة نكاح بنت أبى جهل لعلىّ بقوله (- صلى الله عليه وسلم -) : (( لست أحرّم حلالا ) )ولكنه نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوص عليهما، إحداهما أن ذلك يؤدى إلى أذى فاطمة، فيتأذى حينئذ النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فيهلك من آذاه، فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علىّ وفاطمة- بل وعلى المرأة الأخرى أيضا - .. والعلة الثانية خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة .. وقيل: ليس المراد بالحديث النهى عن الجمع بينهما، بل إن معناه أن الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) علم من فضل الله أنهما لن تجتمعا (أي مجرد إخبار بالمستقبل) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت