والأهم من ذلك أن التعدد لا يستهدف في المقام الأول أو الوحيد مجرد إشباع الشهوة .. فكما سيأتي - في موضع أخر - يقرر الطب النفسي أن الإشباع العاطفي أهم بكثير من مجرد الإشباع الغريزي والارتواء الجنسي ..
وليس الغرض الوحيد من الزواج هو ممارسة الجنس .. فالسكون العاطفي والمودة والرحمة وإنجاب الذرية الصالحة والترابط الاجتماعي بالمصاهرة ورعاية النساء والأطفال والقيام على شئونهم والإنفاق عليهم - كلها مقاصد أسمى بكثير من مجرد إشباع الشهوة .. والرجال يتفاوتون في القدرات الجنسية، كما يتفاوتون في مقدار الحاجة إلى الأكل.
ثم إنه ليس مطلوبا من نظام كتعدد الزوجات أن يرتقى بالناس إلى مصاف الملائكة الأطهار الذين لا يخطئون ويفعلون ما يؤمرون. والشريعة الغرّاء لا تطالب الناس بهذا، فنحن أولا وأخيرا بشر نخطئ ونصيب .. و المستهدف هو تجنيب المجتمع أسباب الرذائل بقدر الإمكان، وتحصين المسلم بالوسائل التي تساعده على غض البصر وحفظ الفرج، ومن هذه الوسائل المساعدة إباحة تعدد الزوجات - بشرط العدل - حتى نساعد الزوجات أيضا على الالتزام بالعفة وحفظ الفرج وغض البصر بدورهن. ورغم هذا قد ينحرف البعض. تماما مثلما أن الدولة الحديثة توفر فرص العمل للناس، إلا أن هذا لم يمنع ولن يمنع انحراف البعض للسرقة أو السطو أو الاتجار بالمخدرات لتحقيق مكاسب غير مشروعة رغم وجود فرص الكسب المشروع .. فقط تحاول الدول المختلفة الحد من الظاهرة وتقليل أعداد المنحرفين ما أمكن .. هذا هو بالضبط ما تستهدفه أحكام الشريعة الإسلامية الغراء (ومنها حق الرجال في تعدد الزوجات بضوابط وشروط معينة) فالمطلوب دائما الإقلال من الجريمة والانحرافات وليس القضاء التام عليها، لأن ذلك مستحيل في عالم البشر الضعفاء الخطّاءين، وخيرهم بالطبع هم التوّابون الذين يجتهدون لمقاومة نزعات النفس الأمارة بالسوء.
ثم إن الرجال الذين لا تكفيهم أربع زوجات هم حالات شاذة نادرة، والنادر لا حكم له، فالأحكام الشرعية تبنى على الغالب من أحوال الناس وليس الشواذ.
وتجدر الإشارة إلى أن من الأرامل والمطلقات - وأعدادهن كما أسلفنا يقدر بعشرات الملايين - من يبحثن فقط عن عائل يقوم بدور الأب الحنون لأطفالهن، حتى ولو لم يمارس أي دور كزوج ..
والواقع الملموس خير شاهد على ذلك.
وأما ما نشاهده على أرض الواقع من أخطاء يرتكبها بعض معدّدي الزوجات فهو ليس من الإسلام، بل هو مخالفة واضحة لأحكامه. وعلاج هذه الأخطاء لا يكون بإلغاء مبدأ التعدد ذاته، وإنما يكون بمزيد من التوعية وإرشاد الناس إلى التزام العدل والتقوى في كل شئ في الحياة .. ثم إن هذه الأخطاء لا يجوز أن تحتسب على الإسلام، لأنها تمثل انحرافا عنه وخروجا عليه. والاستثناء يؤكد القاعدة العامة ولا ينفيها.
والحقيقة أن ما يفعله بعض العوام من ظلم النساء وتفرقة بين الأبناء هو نتاج غياب المفاهيم الإسلامية الصحيحة عن الساحة .. كما أن وسائل الإعلام تزيد الطين بلّة بما تنشره من انحلال وقيم أبعد ما تكون عن الإسلام العظيم.
شاب يسأل بانفعال شديد: عن أي تعدد تتحدثون ونحن لا نجد عملا أو شقة متواضعة أو مهرا ندفعه لواحدة فقط؟! الشاب منا يمكث عشر سنوات في المتوسط حتى يستطيع التقدم لخطبة واحدة بالكاد .. فكيف تطالبونه بالبحث عن أخرى؟!