الفصل الثالث
شبهات واهية
الذين يعارضون التعدد ينظرون إلى الأمر من زاوية واحدة، هي زاوية مصلحة الزوجات دون مراعاة لأحوال مئات الملايين من البائسات الوحيدات اللائي يعج بهن العالم كله .. وقد تأكد لي ذلك من خلال مناقشات مع كثير من الرجال والنساء في دول مختلفة زرتها منها العراق وسوريا ولبنان وتونس وأذربيجان و تركيا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وسويسرا والبوسنة والهرسك وكرواتيا والولايات المتحدة الأمريكية وقبرص والمملكة العربية السعودية .. وفى مصر بطبيعة الحال. و معظم من تحدثت معهم ممن يرفضون التعدد قالوا: إن الاقتران بأخرى فيه ضرر وظلم يقع على الزوجة الأولى .. فهي تخسر نصف زوجها إذا تزوج بأخرى، ولا يبقى لها إلا ثلثه إن تزوج بثالثة، في حين يتضاءل نصيبها إلى ربع رجل إذا تزوج بأربع!!
ويزعمون أيضا أن العدل مستحيل مستشهدين بأول الآية (وَلَن تَسْتَطِيعُو ا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (الآية 129 من سورة النساء. فهم يقولون: لقد أكدت هذه الآية استحالة تحقيق العدل، ويتجاهلون بقية الآية(فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلّقة، وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما) . وسوف نتناول فيما بعد ما أورده المفسّرون في شرح هذه الآية الكريمة وأحكامها بما يوضح المقصود بها - على غير ما يذهب إليه معارضو نظام تعدد الزوجات. (9)
ونرد الآن على من يركّزون على ما يلحق بالزوجة الأولى من ضرر .. فليس صحيحا أن مجرد الزواج من أخرى يشكل ظلما للأولى، إذ هي تعلم يقينا أن الإسلام يعطيه هذا الحق في الاقتران بأخريات في حدود الأربع زوجات، وما لم تشترط - مسبقا - في عقد الزواج ألا يتزوج عليها فليس من حقها أن تمنعه مما أحلّ الله له .. صحيح سوف ينقص حظها منه، ولكنها لن تفقده نهائيا كما في حالة اتخاذه عشيقة أو أكثر ..
ثانيا: قيّد الشارع الحكيم التعدد بضرورة العدل .. وهذا يعنى أن الزوجة لن تحرم من زوجها في حالة اقترانه بأخرى، إذ هو ملتزم بالإنفاق على كل الزوجات والقسم بينهن في كل الأمور، بما في ذلك المبيت عند كل واحدة كما يبيت عند الأخرى أو الأخريات.
ثالثا: إن ضرورات الحياة تفرض على كل زوج وزوجة التضحية ببعض ما يحب في سبيل المصلحة المشتركة لكليهما أو المصلحة العليا للمجتمع، أو حتى مصلحة الآخر إذا كان يحبه حقا .. والإسلام يبغض الأنانية ويدعو إلى الإيثار وليست الأثرة القبيحة .. وفى عصرنا هذا نرى ملايين الرجال يسافرون للعمل في الخارج تاركين زوجاتهم وأطفالهم أعواما أو أكثر في سبيل لقمة العيش .. والغريب أن أولئك الذين يتباكون على نقص حظ الزوجة من رجلها حين يقترن بأخرى لا يعترضون على حرمانها الكامل سنوات و سنوات في حالة سفر الزوج للعمل بالخارج، بل يدعون إليه ويشجّعونه بحجة الرغبة في زيادة موارد الدولة من العملة الصعبة، ولو على حساب الأطفال والزوجات !!
وهناك أيضا من يسافرون للتجارة أو للدراسة في جامعات دول أخرى، وبطبيعة الحال يضطّر المتزوّجون منهم إلى ترك زوجاتهم في مواطنهم إلى حين الانتهاء من الدراسة بعد أعوام .. فما بال المعترضين على التعدد هنا لا يفتحون أفواههم