ويقول ابن قدامه:
"القسم الثاني: ما يبطل الشرط، ويصح العقد، مثل أن يشترط أن لا مهر لها، أو لا ينفق عليها، أو إن أصدقها رجع عليها، أو تشترط عليه أن لا يطأها، أو أن لا يعزل عنها، أو يقسم لها أقل من قسم صاحبتها أو أكثر، أو لايكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، أو أن تنفق عليه، أو تعطيه شيئا، فهذه الشروط كلها باطلة في نفسها، لأنها تنافي مقتضى العقد، ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل إنعقاده، فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع، فأما العقد في نفسه فصحيح، لان هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد، لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به، فلم يبطله، ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض، فجاز ان ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتاق."
وقد نص الامام أحمد، في رجل تزوج امرأة، وشرط عليها أن يبيت عندها في كل جمعة ليلة، فقال: لها أن تنزل بطيب نفس منها، فإن ذلك جائز. وإن قالت لا أرضى إلا بالمقاسمة كان ذلك حقا لها تطالبه إن شاءت.
ونقل عن الأثرم، في الرجل يتزوج المرأة ويشترط عليها أن يأتيها في الأيام: يجوز الشرط، فإن شاءت رجعت. و قال في الرجل يتزوج المرأة على أن تنفق عليه في كل شهر خمسة دراهم او عشرة دراهم: النكاح جائز ولها ان ترجع في هذا الشرط.
وقد نقل عن احمد كلام في بعض هذه الشروط يحتمل ابطال العقد. نُقل المروذي في النهاريات والليليات: ليس هذا من نكاح اهل الاسلام، وممن كره تزويج النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة وقال الثوري الشرط باطل.
وقال اصحاب الرأي: اذا سألته ان يعدل لها عدل، وكان الحسن وعطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأسًا، وكان الحسن لا يرى بأسًا ان يتزوجها على ان يجعل لها من الشهر ايامًا معلومة ولعل كراهة من كره ذلك راجع الى ابطال الشرط واجازة من اجازه راجع الى اصل النكاح، فتكون اقوالهم متفقة على صحة النكاح وابطال الشرط.
وقال القاضي: انما كره احمد هذا النكاح لانه يقع على وجه سر، ونكاح السر منهي عنه، فإن شرط عليه ترك الوطء، احتمل ان يفسد العقد لانه شرط ينافي المقصود من النكاح وهذا مذهب الشافعي.
وكذلك ان شرط عليه ان لا تسلم اليه فهو بمنزلة ما لو اشترى شيئًا على ان لا يقبضه، وان شرط عليها ان لا يطأها لم يفسده، لان الوطء حقه عليها، وهي لا تملكه عليه، ويحتمل ان يفسد لان لها فيه حقًا، ولذلك تملك مطالبته به، اذا آلى، والفسخ اذا تعذر بالجب والعنة [1] .
ويقول ابن عابدين:
"ولا بأس بتزوج النهاريات وهو ان يتزوجها على ان يكون عندها نهارًا دون الليل قال في البحر وينبغي ان يكون هذا الشرط لازما عليها ولها ان تطلب المبيت عندها ليلة، اي اذا كان لها ضرة غيرها" [2] .
الفريق الثاني: المالكية: ويرون ان العقد فاسد مع هذه الشروط، يقول الكشناوي: والنهارية وهو المشترط اتيانها الزوج نهارًا باطل ويجب بالدخول المهر، ويسقط الحد ويلحق الولد يعني من النكاح المنهي عنه نكاح الشرط بان يشترط احد الزوجين عدم اتيانه الآخر الا نهارًا فقط، فإذا اشترطا ذلك او
(1) ابن قدامه المغني، ج9 486 - 488، الشيرازي، التنبيه ص227.
(2) ابن عابدين، حاشية رد المحتار على الدر المختار، شرح تنوير الابصار، ج3، ص52.