الصفحة 18 من 35

8.عن حكيم بن معاوية، عن أبيه،"أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم، ما حق المرأة على الزوج؟ قال: أن يطعمها إذا طعم، وأن يكسوها إذا إكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر، إلا في البيت" [1] . فالمرأة لها حرية كاملة في التصرف في حقوقها من نفقة، وسكن وبيتوتة فهي تملك حق الإبراء لزوجها ابتداء أو بعد إجراء عقد الزواج. وجعل الله نفقتها من حقها على زوجها كما قال تعالى:"وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن" [2] ، لذا فهي تملك حق الإبراء، وليس في ذلك إسقاط لحقوق الله الشرعية الواجبة، وليس فيها مخالفة لأوامر الله وميثاقه من السكن والنفقة والبيتوتة، وليس فيها اتفاق على إحلال ما حرم الله فالاتفاق بينهما لايحل حراما [3] .

والحقوق منها ما هو حق خالص لله تعالى، ومنها ما هو حق خالص للعبد، ومنها ما اجتمع فيه الحقان، وحق الله تعالى غالب، ومنها ما اجتمع الحقان وحق العبد غالب. فأما حقوق الله تعالى الخالصة فهي العبادات، والأمور الاجتماعية التي لا يكون فيها اعتداء على حق أحد، ولكن يكون فيها دفع اعتداء على المجتمع كالجهاد في سبيل الله، وكحد الزنا والشرب، فهذه الحدود حقوق الله تعالى لا تقبل العفو ولا الإسقاط، والعبادات كذلك. أما حقوق العباد الخالصة كالديون والأموال وحق الوراثة وغير ذلك مما يتعلق بالأموال نقلا وبقاء فهذه كلها حقوق العباد ظلم، لا يقبل الله توبة عبد قد أكل حقا من حقوق العباد، إلا إذا اداه أو أسقطه صاحبه وعفا عنه.

والقول الجامع لهذا أنه ما يكون فيه حفظ مصلحة خاصة للآحاد، وهذا الحق يقبل الإسقاط والتعويض ممن له حق في بعض الأحوال، كحق المهر وحق النفقة في الزواج، وغير ذلك من الحقوق [4] .

فالنفقة والسكن والبيتوتة إنما هي دين على الزوج بالعقد، والدين سقوطه إما بالأداء أو الإبراء، وبهذا يتبين فساد وبطلان قول من قال إن الاتفاق على إسقاط النفقة والبيتوتة اتفاق على إحلال ما حرم الله كالإتفاق على الربا والزنا، ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الربا والزنا حق من حقوق الله حفظا للمجتمع، والطرفان مأموران بتركهما، ولا يجوز لأحد إتيانهما، فخالف بذلك النفقة والسكن والبيتوتة، فإنما وجبت هذه حقا للمرأة والحقوق بين العباد تسقط بالإيصال أو الإبراء [5] .

كما أن النفقة واجبة على الزوج، وهي من حقوقها عليه، لكنها ليست ركنا من أركان صحة الزواج، ويجوز لها التنازل عنها، وعلى فرض أن النفقة من شروط الزواج فإن عدم الالتزام بها في حال اتفاق الزوجين على ذلك لا يجعل الزواج باطلا فالعقد حينها يكون صحيحا والشرط باطلا.

9.من القواعد الفقهية:"درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة" [6] . فدرء المفسدة وهي الزنا حيث إننا إن منعنا هذا الزواج أدى إلى مفسدة، وهي مفسدة عامة على المجتمع بأكمله أولى من

(1) ابن ماجة، صحيح سنن ابن ماجة، ج1، ص311.

(2) البقرة: 333.

(3) المدني، المسيار نكاح وليس بسفاح، صحيفة الشرق الأوسط، العدد 7129.

(4) أبو زهرة، أصول الفقه، ص 323 - 324.

(5) المدني، المسيار نكاح وليس بسفاح، صحيفة الشرق الأوسط، العدد 7129.

(6) أبو زهرة، أصول الفقه، ص 378، الزحيلي، النظريات الفقهية، ص 226.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت