مناقشة الأدلة
مناقشة أدلة الجمهور:
نوقشت أدلة الجمهور من قبل المخالفين لهم على النحو التالي:
أولا: اعترض على استدلال الجمهور بقوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بأن الآية ليست صريحة الدلالة على صدقة الفطر، وإنما هي تدل على فرضية الزكاة.
الجواب: أجاب الجمهور بأن الذي يقوي دخول صدقة الفطر في الآية ودلالتها عليها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمى صدقة الفطر:"زكاة"فتكون داخلة في أمر الله تعالى بها على ما ذكرناه قبلا.
ثانيًا: اعترض أيضًا على استدلال الجمهور بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) بأن المراد منها ليس صدقة الفطر بل المراد"الزكاة"على ما قاله أبو الأحوص وبه أجاب عطاء لما سأله ابن خريج عن ذلك [1] كما أن قوله تعالى: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) ليس المراد منها صلاة العيد، وإلا لزم وجوبها ولم يقل أحد بوجوب صلاة العيد، بل هي سنة باتفاق.
الجواب: أجاب الجمهور بأن كثيرًا من الصحابة وغيرهم ذهبوا إلى أن المراد من الآية الأولى"صدقة الفطر"، ومن الآية الثانية"صلاة العيد"ولا يلزم من ذلك إيجابها؛ لأن إيجاب صلاة العيد خرج بعموم قوله: (هن خمس لا يبدل القول لدى) .
كما روى ابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) فقال: (نزلت في زكاة الفطر وصلاة العيد) [2] ، ولكن هذا الحديث ضعيف الإسناد؛ لأن كثيرًا ضعيف جدًا عند أهل الحديث [3] .
ثالثًا: تأول الحنفية وغيرهم من المخالفين للجمهور كلمة (فرض) في حديث عبد الله بن عمر أنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الناس ... إلخ» .
وقالوا: بأن معناه"قدر"؛ لأنه أحد معاني الفرض في اللغة، وجاء القرآن به في قوله: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) أي: قدرتم.
قال ابن دقيق العيد: أصل"فرض"في اللغة"قدر"، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب فالحمل عليه أولى [4] .
وقال الكمال بن الهمام: إن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية في كلام الشارع متعين ما لم يقم صارف عنه. والحقيقة الشرعية في الفرض غير مجرد -التقدير- خصوصًا في لفظ البخاري، ومسلم في هذا الحديث أنه عليه السلام (أمر بزكاة الفطر .. إلخ) ، ومعنى لفظ"فرض"هو: معنى لفظ"أمر" [5] .
الجواب: أجاب الجمهور بأن كلمة"فرض"ظاهرة [6] في معنى: (ألزم وأوجب) وتأويلها على معنى"قدر"وتأويل لها على خلاف الظاهر [7] فلا يجوز.
ومما يقوي أن (فرض) بمعنى: (ألزم وأوجب) هو اقترانها بحرف (على) التي تدل على الوجوب أيضًا حيث جاء بالحديث «على كل حر أو عبد» [8] .
(1) القرطبي: جـ 20، ص 22.
(2) القرطبي: المرجع السابق ص 21، نيل الأوطار: جـ 4، ص 184.
(3) انظر هامش فتح الباري: جـ 3، ص 375.
(4) نيل الأوطار: جـ 4، ص 180، فتح الباري: جـ 3، ص 368.
(5) فتح القدير: جـ 2، ص 282.
(6) لسان العرب: جـ 5، ص 3387.
(7) سبل السلام: جـ 2، ص 619.
(8) فتح الباري: جـ 3، ص 368.