الصفحة 9 من 51

مناقشة الأدلة

مناقشة أدلة الجمهور:

نوقشت أدلة الجمهور من قبل المخالفين لهم على النحو التالي:

أولا: اعترض على استدلال الجمهور بقوله تعالى: (وَآتُوا الزَّكَاةَ) بأن الآية ليست صريحة الدلالة على صدقة الفطر، وإنما هي تدل على فرضية الزكاة.

الجواب: أجاب الجمهور بأن الذي يقوي دخول صدقة الفطر في الآية ودلالتها عليها هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سمى صدقة الفطر:"زكاة"فتكون داخلة في أمر الله تعالى بها على ما ذكرناه قبلا.

ثانيًا: اعترض أيضًا على استدلال الجمهور بقوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى) بأن المراد منها ليس صدقة الفطر بل المراد"الزكاة"على ما قاله أبو الأحوص وبه أجاب عطاء لما سأله ابن خريج عن ذلك [1] كما أن قوله تعالى: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) ليس المراد منها صلاة العيد، وإلا لزم وجوبها ولم يقل أحد بوجوب صلاة العيد، بل هي سنة باتفاق.

الجواب: أجاب الجمهور بأن كثيرًا من الصحابة وغيرهم ذهبوا إلى أن المراد من الآية الأولى"صدقة الفطر"، ومن الآية الثانية"صلاة العيد"ولا يلزم من ذلك إيجابها؛ لأن إيجاب صلاة العيد خرج بعموم قوله: (هن خمس لا يبدل القول لدى) .

كما روى ابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله، عن أبيه، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) فقال: (نزلت في زكاة الفطر وصلاة العيد) [2] ، ولكن هذا الحديث ضعيف الإسناد؛ لأن كثيرًا ضعيف جدًا عند أهل الحديث [3] .

ثالثًا: تأول الحنفية وغيرهم من المخالفين للجمهور كلمة (فرض) في حديث عبد الله بن عمر أنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الناس ... إلخ» .

وقالوا: بأن معناه"قدر"؛ لأنه أحد معاني الفرض في اللغة، وجاء القرآن به في قوله: (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) أي: قدرتم.

قال ابن دقيق العيد: أصل"فرض"في اللغة"قدر"، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب فالحمل عليه أولى [4] .

وقال الكمال بن الهمام: إن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية في كلام الشارع متعين ما لم يقم صارف عنه. والحقيقة الشرعية في الفرض غير مجرد -التقدير- خصوصًا في لفظ البخاري، ومسلم في هذا الحديث أنه عليه السلام (أمر بزكاة الفطر .. إلخ) ، ومعنى لفظ"فرض"هو: معنى لفظ"أمر" [5] .

الجواب: أجاب الجمهور بأن كلمة"فرض"ظاهرة [6] في معنى: (ألزم وأوجب) وتأويلها على معنى"قدر"وتأويل لها على خلاف الظاهر [7] فلا يجوز.

ومما يقوي أن (فرض) بمعنى: (ألزم وأوجب) هو اقترانها بحرف (على) التي تدل على الوجوب أيضًا حيث جاء بالحديث «على كل حر أو عبد» [8] .

(1) القرطبي: جـ 20، ص 22.

(2) القرطبي: المرجع السابق ص 21، نيل الأوطار: جـ 4، ص 184.

(3) انظر هامش فتح الباري: جـ 3، ص 375.

(4) نيل الأوطار: جـ 4، ص 180، فتح الباري: جـ 3، ص 368.

(5) فتح القدير: جـ 2، ص 282.

(6) لسان العرب: جـ 5، ص 3387.

(7) سبل السلام: جـ 2، ص 619.

(8) فتح الباري: جـ 3، ص 368.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت