وقد عاب ابن حزم الظاهري على من قال: بأن صدقة الفطر ليست فرضًا، وأن معنى (فرض) قدر. فقال: (هذا خطأ لأنه دعوى بلا برهان وإحالة اللفظ عن موضوعه بلا دليل) [1] .
وهذا الجواب رد أيضًا على أشهب، وابن اللبان، وداود الظاهري، ومن وافقهم ممن قال بأن صدقة الفطر سنة وليست فرضًا؛ لأن القول بذلك خطأ كبير، وغلط صريح [2] كما أن الأدلة الصحيحة ترد عليهم وتدفع قولهم [3] .
مناقشة أدلة الحنفية:
ناقش الجمهور واستدلال الحنفية بحديث"ثعلبة بن صعير"بأن هذا الحديث ضعيف راجع إلى: رجل مجهول الحال مضطرب عنه، مختلف في اسمه، مرة"عبد الله بن ثعلبة"ومرة"ثعلبة بن عبد الله" [4] على ما ذكرناه قبلا.
وقد سئل الإمام أحمد عنه فقال: ليس بصحيح، إنما هو مرسل يرويه"معمر بن جريج"عن الزهري مرسلًا. وقد تفرد به"النعمان بن راشد"، والنعمان ليس بقوي الحديث، وقال ابن حزم: النعمان بن راشد ضعيف كثير الغلط [5] ، كما سئل الإمام أحمد عن"ابن صغير"فقال: ليس هو معروف [6] .
كما ناقش الجمهور استدلال الحنفية بحديث «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان ... إلخ» بأن كلمة «فرض» ليس معناها «قدر» ، إنما معناها «الزم وأوجب» وقد سبق بيان ذلك قبلا.
مناقشة أدلة من قال بالنسخ:
ناقش الجمهور استدلال إبراهيم بن عيلة، وأبو بكر الأصم بما روي عن قيس بن سعد أنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحن نفعله» بأن هذا الحديث في إسناده راويًا مجهولًا، فلا تقوم به الحجة.
وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر [7] .
قال ابن حزم مؤيدًا رأي الجمهور: (وهذا الخبر حجة لنا عليهم؛ لأن فيه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر فصار أمرًا مفترضا ثم لم ينه عنه فبقي فرضًا كما كان) [8] .
(1) المحلى: جـ 6، ص 118.
(2) النووي على شرح مسلم: جـ 7، ص 58.
(3) السيل الجرار: جـ 2، ص 82.
(4) المحلى: جـ 6، ص 121.
(5) المحلى: المرجع السابق.
(6) المغني لابن قدامة: جـ 3، ص 82، ت د/ طه الزيني.
(7) فتح الباري: المرجع السابق -السيل الجرار: المرجع السابق- السيوطي شرح سنن النسائي: جـ 5، ص 50.
(8) المحلى: المرجع السابق.