الصفحة 11 من 51

الترجيح

وبعد أن ذكرنا أقوال الفقهاء وأدلتهم في حكم زكاة الفطر ثم مناقشتها، فإنه يتضح لنا أن الراجح من هذه الأقوال هو: قول الجمهور، وهو أن: زكاة الفطر فرض واجب، وذلك لقوة أدلتهم، وسلامتها عن المعارض ولأن القول بغير ذلك قول غير صحيح؛ لضعف ما استدل به الحنفية من أنها واجبة وليست فرضًا كما أن القول بسنيتها أو بنسخها فيه خطأ كبير، وغلط صريح، حيث إن حديث"قيس بن سعد"في إسناده مقال؛ لأن مداره على"أبي عمار"ولا يعلم ما له في الجرح والتعديل [1] . ولو سلم صحته فليس فيه دليل على النسخ؛ لأن عدم أمر الرسول بصدقة الفطر مرة ثانية بعد نزول فرضية الزكاة لا يشعر بأنها نسخت، وذلك لكفاية الأمر الأول ولا يرفعه عدم الأمر [2] على ما أوضحناه قبلا، وعلى هذا فلا يعتد برأي المخالف.

قال إسحاق بن راهويه: إيجاب زكاة الفطر كالإجماع [3] .

وقال البيهقي: أجمع العلماء على وجوب صدقة الفطر، وكذا نقل الإجماع ابن المنذر [4] .

حكمة مشروعية زكاة الفطر:

إن الله سبحانه وتعالى شرع زكاة الفطر تطهيرا للصائم مما يكون قد وقع منه أو تردى فيه من المعاصي أثناء صومه، سواء كان ذلك عن طريق القول الذي لا فائدة فيه أو الفعل الذي لا خير يرجى من فعله، فصدقة الفطر تكون بمثابة الماء الذي يطهر الإنسان من الأدناس، ويرفع عنه ما لحقه من أوساخ وقاذورات.

كما أن زكاة الفطر في نفس الوقت تكون طعامًا للفقراء، ومعونة لهم، وإغناء المحتاجين عن السؤال في يوم العيد، ولقد بينت السنة النبوية الشريفة ذلك فقد روى أبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة [5] للصائم من اللغو [6] والرفث [7] وطعمة [8] للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي من الصدقات [9] .

كما أخرج البيهقي، والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر وقال: أغنوهم في هذا اليوم» ، وفي رواية البيهقي: «أغنوهم عن طواف هذا اليوم» [10] .

فقد بين هذان الحديثان الحكمة الشرعية من زكاة الفطر، وأنها تحقق السعادة للجميع حيث إن الصائمين يسعدون بتطهيرهم من ذنوبهم التي اقترفوها أثناء صومهم، كما يسعد الفقراء بإغنائهم عن السؤال والطواف في هذا اليوم.

والله أعلم

(1) المجموع: جـ 6، ص 104.

(2) سبل السلام: جـ 2، ص 69.

(3) انظر النووي على شرح مسلم: جـ 7، ص 58.

(4) النووي في المجموع: جـ 6، ص 104، وابن المنذر هو: محمد بن إبراهيم ابن المنذر النيسابوري أبو بكر، من أصحاب الشافعي وكان إمامًا مجتهدًا حافظًا ورعا، وكان شيخ الحرم بمكة، قال الذهبي: هو صاحب الكتب التي لم يصنف مثلها منها: المبسوط في الفقه، والأوسط في السنن، والإجماع، والاختلاف وغيرها -انظر طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: جـ 2، ص 126.

(5) طهرة أي: تطهيرا.

(6) اللغو هو: ما لا فائدة فيه من القول والفعل.

(7) الرفث هو: فحش الكلام.

(8) طعمة أي: طعامًا للفقراء.

(9) نيل الأوطار: جـ 4، ص 184، سنن أبي داود: جـ 2، ص 262 وما بعدها، سنن ابن ماجة: جـ 1، ص 585.

(10) نيل الأوطار: جـ 4، ص 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت