الصفحة 6 من 51

أما جمهور الفقهاء فلم يفرق بين الفرض والواجب، فالفرض عندهم هو: الواجب فهما مترادفان، والفرض أو الواجب هو: ما ثبت بدليل قطعي أو ظني. فالخلاف بين الحنفية والجمهور ليس خلافًا في المعنى [1] -أي الحكم- وإنما الخلاف في الاصطلاح ولا مشاحة فيه.

القول الثالث:

ذهب بعض الشافعية كابن اللبان [2] ، وبعض الظاهرية [3] ، وبعض أهل العراق إلى أن: زكاة الفطر سنة.

كما نقل المالكية هذا الرأي عن أشهب [4] من أصحاب الإمام مالك [5] .

القول الرابع:

ذهب إبراهيم بن عيله [6] ، وأبو بكر بن كيسان الأصم [7] إلى: أن زكاة الفطر نسخت بفرضية زكاة الأموال [8] .

سبب الخلاف:

والسبب في اختلاف الفقهاء في حكم صدقة الفطر هو: تعارض الآثار [9] الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

فقد ثبت من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين» متفق عليه.

وظاهر هذا يقتضي الوجوب على مذهب من يقلد الصاحب في فهم الوجوب أو الندب من أمره صلى الله عليه وسلم إذا لم يحدد لنا لفظه.

كما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الأعرابي المشهور وذكر له الرسول عليه الصلاة والسلام الزكاة قال الأعرابي: هل علي غيرها؟ فقال الرسول: «إلا أن تطوع» فذهب الجمهور إلى أن صدقة الفطر داخلة تحت الزكاة المفروضة.

وذهب غير الجمهور إلى أنها غير داخلة، مستدلا بما رواه قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت آية الزكاة لم نؤمر ولم ننه عنها ونحن نفعله» .

هذا هو سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة.

(1) قال الكمال بن الهمام: لا خلاف في المعنى فإن الافتراض الذي يثبتونه ليس على وجه يكفر جاحده فهو معنى الوجوب الذي نقول به، غاية الأمر أن الفرض في اصطلاحهم -أي الجمهور- أعم من الواجب في عرفنا. انظر فتح القدير: جـ 1، ص 282.

(2) ابن اللبان هو: عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن البكري الوائلي أبو محمد المعروف: بابن اللبان، فقيه شافعي من أهل أصبهان مولده ووفاته بها توفي عام 446هـ، قال ابن عساكر: له كتب كثيره مصنفه هامش السيل الجرار: جـ 2، ص 82.

(3) المجموع: جـ 6، ص 104، فتح الباري: جـ 3، ص 368.

(4) أشهب هو: أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري الجعدي أبو عمر، فقيه الديار المصرية في عصره صاحب الإمام مالك. قال الشافعي: ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه، توفي عام 204هـ، انظر هامش السيل الجرار: جـ 2، ص 282.

(5) ذكر ابن حزم أن الإمام مالك قال: إن زكاة الفطر ليست فرضًا، وهذا وهم من ابن حزم أو ممن نقل عنه -على ما قاله الشيخ أحمد شاكر معلقًا- حيث أن الإمام قال في الموطأ: تجب زكاة الفطر على أهل البادية كما تجب على أهل القرى؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس .. إلخ، كما أن ابن رشد قد حكي هذا عن بعض متأخري المالكية إلا أنه لم يعينه. انظر المحلى: جـ 6، ص 169، بداية المجتهد: جـ 1، ص 374، تنوير الحوالك: جـ 1، ص 267.

(6) إبراهيم بن عيله هو: إبراهيم بن إسماعيل بن مقسم الأسدي أبو إسحاق ابن عيله، توفي عام 218هـ، مصري من رجال الحديث كان جهميا يقول بخلق القرآن، قال ابن عبد البر: له شذوذ كثيرة ومذاهبه عند أهل السنة مهجورة، جرت له مع الإمام الشافعي مناظرات، وله مصنفات في الفقه شبيهة بالجدل، منها الرد على الإمام مالك. انظر هامش السيل الجرار: المرجع السابق.

(7) أبو بكر الأصم هو: أبو بكر بن كيسان الأصم، عده المرتضى من رجال الطبقة السادسة من المعتزلة، وقال في ترجمته: كان أنصح الناس، وأفقهم، وأورعهم، وكان جليل المقدار يكاتبه السلطان وله مع أبي الهزيل مناظرات، انظر السيل الجرار: المرجع السابق.

(8) المجموع: جـ 6، ص 104، فتح الباري: جـ 3، ص 368، بداية المجتهد: جـ 1، ص 374.

(9) بداية المجتهد: جـ 1، ص 374.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت