تسمى"زكاة الفطر"أي كأنها من الفطرة التي هي الخلقة المرادة بقوله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [1] والمعنى: إنها وجبت على الخلقة تزكية للنفس وتنقية لعملها.
قال النووي في «المجموع» : يقال للمخرج فطرة -بكسر الفاء لا غير- وهي لفظة مولدة لا عربية ولا معربة بل اصطلاحية للفقهاء، فتكون حقيقة شرعية على المختار كالصلاة [2] .
وزكاة الفطر فرضت في السنة الثانية من الهجرة النبوية الشريفة في العام الذي فرض فيه صوم رمضان [3] ، ثم فرضت زكاة المال بعد ذلك [4] .
وتتميز هذه الزكاة عن غيرها من الزكوات بأنها على الأبدان بينما الزكوات الأخرى تكون على الأموال. كما تتميز أيضًا بأنه لا يشترط فيها ملك النصاب على الرأي الراجح لجمهور الفقهاء على ما سنوضحه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
حكم زكاة الفطر:
اختلف الفقهاء في حكم زكاة الفطرة على أربعة أقوال، نذكرها فيما يلي:
القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء المالكية، والشافعية، والحنابلة، وابن حزم الظاهري [5] إلى أن: زكاة الفطر فرض واجب، وهو قول أبي العالية، وعطاء، وابن سيرين، وقتادة، وغيرهم.
القول الثاني:
ذهب الحنفية [6] إلى أن: زكاة الفطر واجبة وليست فرضًا بناء على قاعدتهم في التفريق بين الفرض والواجب [7] حيث إن الفرض عندهم ما ثبت لزومه بدليل مقطوع به كالصلاة، والصوم، والحج، والواجب ما لم يثبت بدليل مقطوع به بل ثبت بدليل مظنون وهو خبر الواحد وذلك كصلاة الوتر.
ويترتب على هذه التفرقة: أن جاحد الفرض كافر، بخلاف جاحد الواجب فلا يكون كافرًا، فهم يطلقون الواجب على:"الفرض العملي"الذي يقابل"الفرض الاعتقادي".
(1) الروم: 30.
(2) انظر مغني المحتاج: جـ 1، ص 401، وقال ابن عابدين في النهر عن شرح الوقاية: أن لفظ"الفطرة"الواقع في كلام الفقهاء وغيرهم مولدة حتى عده بعضهم من لحن العامة. أي أن الفطرة المراد بها الصدقة غير لغوية؛ لأنها لم تأت بهذا المعنى.
وأما ما في القاموس من أن الفطرة -بالكسر- صدقة الفطر والخلقة، فاعترضه بعض المحققين بأن الأول غير صحيح؛ لأن ذلك المخرج لم يعلم إلا من الشارع. وقد عد من غلط القاموس ما يقع كثيرًا فيه من خلط الحقائق الشرعية اللغوية. وفي (المغرب) أن الفطرة - بالمعنى المذكور- جاءت في عبارات الشافعي وغيره وهي صحيحة من طريق اللغة، وإن لم أجدها فيما عندي من الأصول.
وفي تحرير النووي: هم اسم مولد ولعلها من الفطرة التي هي الخلقة، قال أبو محمد الأبهر: معناها زكاة الخلقة، كأنها زكاة البدن.
وفي المصباح: وقولهم: تجب الفطرة الأصل، تجب زكاة الفطرة وهي البدن فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه واستغنى به في الاستعمال لفهم المعنى، ومشي عليه القهستاني. ولهذا نقل بعضهم أنها تسمى"صدقة الرأس وزكاة البدن".
والحاصل: أن لفظ الفطرة -بالتاء- لا شك في لغويته ومعناه: الخلقة. وإنما الكلام في إطلاقه مرادًا به المخرج أي: صدقة الفطر، فإن أطلق عليه بدون تقدير فهو اصطلاح شرعي مولد، وأما مع تقدير المضاف فالمراد به المعنى اللغوي، ولعل هذا وجه الصحة الذي أراده صاحب المغرب. اهـ، انظر رد المختار: جـ 2، ص 357 وما بعدها، ط الحلبي.
(3) مغني المحتاج: جـ 1، ص 401.
(4) المرجع السابق: ص 368.
(5) انظر بداية المجتهد: جـ 1، ص 374 - بلغة السالك: جـ 1، ص 236، المجموع: جـ،6 ص 103 - مغني المحتاج: جـ 1، ص 401، المغني: جـ 3، ص 79،كشاف القناع: جـ 2، ص 246، منار السبيل: جـ 1، ص 200، المحلى: جـ 6، ص 118.
(6) فتح القدير: جـ 2، ص 281، ط الحلبي، الاختيار: جـ 1، ص 123، اللباب: جـ 1، ص 158.
(7) بدائع الصنائع: جـ 2، ص 69، المجموع: جـ 6، ص 104.