الصفحة 24 من 51

ثانيًا: وأما قياس زكاة الفطر على زكاة المال في وجوب النصاب فغير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن وجوب الفطرة متعلق بالأبدان، ووجوب الزكاة الأخرى متعلق بالمال، فافترقا [1] .

وأما القول بأن الغني من ملك النصاب، والفقير لا غنى له فلا تجب عليه زكاة الفطرة، فمردود بعموم الأحاديث التي تدل على أن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم، والتي لا تفرق بين الغني والفقير. كحديث أبي هريرة السابق ذكره.

وأيضًا ما رواه أبو داود، وأحمد عن ثعلبة بن صغير عن أبيه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أدوا صدقة الفطر صاعًا من قمح -أو قال بر- عن كل إنسان صغير أو كبير، حر أو مملوك، غني أو فقير، ذكر أو أنثى، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى» [2] .

وفي رواية أبي داود (صاع من بر أو قمح على كل اثنين) [3] .

قال ابن قدامة: (لأن هذه الصدقة حق مال لا يزيد بزيادة المال، فلا يعتبر وجوب النصاب فيها كالكفارة، ولا يمتنع أن يؤخذ منه ويعطى، كمن وجب عليه العشر في زرعه وهو يحتاج إلى ما يكفيه وعياله، وحديث(لا صدقة إلا عن ظهر غنى) محمول على صدقة المال بخلاف صدقة الفطر فهي على الأبدان والنفوس [4] .

مناقشة دليل أصحاب القول الثالث:

نوقش استدلال الهادي والقاسم بحديث ابن أبي صغير الذي فيه (غني أو فقير) بأن هذا الحديث فهو وإن دل على عدم اشتراط الغنى الشرعي إلا أنه لا يفيد اعتبار ملك قوت عشرة أيام كما ذهبتم إليه.

الترجيح

وبعد أن ذكرنا أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشتها في اشتراط ملك النصاب في زكاة الفطر فإنه يتضح لنا: رجحان قول الجمهور، وهو عدم اشتراط ملك النصاب لإخراج زكاة الفطر، وإنما المعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكًا لقوت يوم العيد وليلته فقط، وليس مالكًا للنصاب كما ذهبت الحنفية، ولا لقوت عشرة أيام كما ذهب الهادي والقاسم ومن وافقهما. وذلك لقوة أدلة الجمهور وسلامتها عن المعارض؛ ولأن للشارع هدفا أخلاقيا تربويا من فرض زكاة الفطر على كل مسلم غني أو فقير، ذلك الهدف هو تدريب المسلم على الإنفاق في الضراء كما ينفق في السراء، والبذل في العسر كما يبذل في اليسر.

ومن صفات المتقين التي ذكرها القرآن ذلك حيث قال: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) [5] .

وبهذا يتعلم المسلم -وإن كان فقير المال رقيق الحال- أن تكون يده هي العليا وأن يذوق لذة الإعطاء والإفضال على غيره ولو كان ذلك يومًا في كل عام [6] فلا فرق بين غني وفقير.

شروط وجوب الفطرة على الفقير:

ذكرنا أن المعتبر في إيجاب زكاة الفطر على الفقير عند الجمهور هو أن يكون مخرج الفطرة مالكًا لقوته وقوت من تلزمه نفقته ليلة العيد ويومه، وأن يكون ذلك فاضلا عن مسكنه، وأثاثه، وحوائجه الأصلية الضرورية، فمن كان له دارًا يحتاج إليها لسكناها

(1) نيل الأوطار: المرجع السابق.

(2) المغني: جـ 3، ص 94.

(3) أبو داود: جـ 2، ص 270.

(4) المغني: المرجع السابق.

(5) سورة آل عمران: 134.

(6) فقه الزكاة: المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت