أو إلى أجرها لنفقته، أو ثياب بذلة له، أو لمن تلزمه مؤنته، أو بهائم يحتاج إلى ركوبها والانتفاع بها في حاجاته الأصلية، أو سائمة يحتاج إلى نمائها كذلك، أو بضاعة يختل ربحها الذي يحتاج إليه بإخراج الفطرة منها، فلا فطرة عليه كذلك؛ لأن هذا مما تتعلق به حاجاته الأصلية فلم يلزمه بيعه كمؤنة نفسه. ومن له كتب يحتاج إليها للنظر فيها والحقط منها لا يلزمه بيعها، والمرأة إذا كان لها حلي للبس أو لكراء تحتاج إليه لم يلزمها بيعه في الفطرة، وما فضل من ذلك عن حوائجه الأصلية وأمكن بيعه وصرفه في الفطرة وجبت الفطرة به؛ لأنه أمكن أداؤها من غير ضرر أصلي، فأشبه ما لو ملك من الطعام ما يؤديه فاضلا عن حاجته [1] .
الدين المؤجل لا يمنع زكاة الفطر:
ومن كان في يده ما يخرجه عن صدقة الفطر وعليه دين مثله لزمه أن يخرج، إلا أن يكون مطالبًا بالدين فعليه قضاء الدين ولا زكاة عليه.
قال ابن قدامة: إنما لم يمنع الدين الفطرة -كما منع زكاة الأموال-؛ لأنها آكد وجوبًا: بدليل وجوبها على الفقير وشمولها لكل مسلم قدر على إخراجها، ووجوب تحملها عمن وجبت نفقته على غيره. ولا تتعلق بقدر من المال فجرت مجرى النفقة؛ ولأن زكاة المال تجب بالملك والدين يؤثر في الملك فأثر فيها. وهذه تجب على البدن -أي على الشخص- والدين لا يؤثر فيه، وتسقط الفطرة عند المطالبة بالدين؛ لوجوب أدائه عند المطالبة وتأكده بكونه حق آدمي معين لا يسقط بالإعسار. وكونه أسبق سببًا وأقدم وجوبًا يأثم بتأخيره، فإنه يسقط غير الفطرة وإن لم يطالب به؛ لأن تأثير المطالبة إنما هو في إلزام الأداء وتحريم التأخير [2] .
بمن يبدأ في الإخراج عنه؟
إذا لم يجد من وجبت عليه زكاة الفطر إلا ما يكفي للإخراج عن شخص واحد، أخرج عن نفسه أولًا لقوله صلى الله عليه وسلم: «أبدأ بنفسك ثم بمن تعول» ؛ لأن زكاة الفطر تنبني على النفقة، فكما يبدأ بنفسه في النفقة فكذلك في الفطرة، فإن فضل شيء آخر أخرجه عن ولده الصغير؛ لأن نفقته منصوص عليها. فإن فضل آخر أخرجه عن زوجته؛ لأن نفقتها آكد؛ لأنها تجب على سبيل المعاوضة مع اليسار والإعسار، ونفقة الأقارب تجب مع اليسار دون الإعسار، فإن فضل شيء آخر أخرجه عن والديه.
ثم تقدم فطرة الأم على الأب؛ لأنها مقدمة في البر بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله من أبر؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: أمك، قال ثم من؟ قال: ثم أباك. ولأنها ضعيفة عن الكسب، فإن فضل شيء أخرجه عن الجد ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث، لما روي عن أبي هريرة أنه قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي دينار، قال: تصدق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على زوجتك، قال: عندي آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أبصر» . فقدم الولد في الصدقة -هنا- على الزوجة فكذلك في الصدقة عنه؛ ولأن الولد كبعضه فيقدم كتقديم نفسه؛ ولأنه إذا ضيع ولده لم يجد من ينفق عليه فيضيع، والزوجة إذا لم ينفق عليها فرق بينهما وكان لها من يمونها من زوج أو ذي رحم؛ ولأن نفقة الزوجة على سبيل المعاوضة فكانت أضعف في استتباع الفطرة من النفقة الواجبة على سبيل الصلة؛ لأن وجوب العوض المقدر لا يقتضي وجوب زيادة عليه يتصدق بها عمن له العوض [3] .
(1) المغني: جـ 3، ص 96.
(2) المرجع السابق: ص 100.
(3) المغني لابن قدامة: جـ 3، ص 94 وما بعدها.