الصفحة 23 من 51

وجه الدلالة: دلت هذه الأحاديث على أن زكاة الفطر تجب على الغني والفقير، حيث قدرت بقدر ما يحتمل حال قليل المال، كما أنه صلى الله عليه وسلم بين بأنه لا يحل السؤال لمن يملك مقدار ما يغذيه ويعشيه، فإن سأل الناس وعنده هذا القدر فإنما يستكثر من جمر جهنم، وهذا وعيد شديد لمن يخالف ذلك.

قال الشوكاني: وهذا هو الحق؛ لأن النصوص أطلقت ولم تخص غنيًا ولا فقيرًا، ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن مخرج الفطر مالكًا له، ولا سيما والعلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغني والفقير وهي التطهر من اللغو والرفث، واعتبار كونه واجدا لقوت يومه وليلته أمر لابد منه؛ لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «أغنوهم في هذا اليوم» فلو لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن أمرنا بإغنائه في ذلك اليوم لا من المأمور بإخراج الفطرة وإغناء غيره [1] .

أدلة أصحاب القول الثاني: استدل أبو حنيفة وأصحابه على ما ذهب إليه من اشتراط ملك النصاب في زكاة الفطر بالسنة والمعقول:

أما السنة: فبما رواه البخاري والنسائي من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» [2] والغني عند الحنفية هو: من ملك النصاب، والفقير لا غنى له فلا تجب عليه؛ لأنه لا تحل له الصدقة فلا تجب عليه، كمن لا يقدر عليها [3] .

وأما المعقول فهو: قياس زكاة الفطر على زكاة الأموال، فكما أنه يشترط النصاب في زكاة الأموال فيشترط كذلك في زكاة الفطر.

أدلة أصحاب القول الثالث: استدل القاسم، والهادي، ومن وافقهما على اشتراط أن يملك من يخرج زكاة الفطر قوت عشرة أيام بما رواه أبو داود [4] في حديث ابن أبي صغير عن أبيه في رواية سليمان بن داود بزيادة (غني أو فقير) بعد حر أو عبد.

وجه الدلالة: دل هذا الحديث على عدم اعتبار الغنى الشرعي وهو ملك النصاب، وعليه فإن المعتبر ملكيه قوت عشرة أيام فاضلا عما استثنى للفقير وغير الفطرة.

(المناقشة)

مناقشة أدلة الحنفية:

ناقش الجمهور استدلال الحنفية على النحو التالي:

أولًا: إن الاستدلال بحديث (لا صدقة إلا عن ظهر غنى) لا يفيد المطلوب حيث ورد عند مسلم وأبي داود وغيرهما [5] بلفظ (أفضل الصدقة -أو خير الصدقة- عن ظهر غنى) ، وبلفظ (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى) .

كما أنه معارض بما رواه النسائي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سبق درهم مائة ألف درهم، فقال رجل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بهما. ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به فهذا تصدق بنصف ماله» الحديث [6] .

(1) نيل الأوطار: جـ 4، ص 186.

(2) رواه البخاري في كتاب الوصايا من صحيحه وتعليقاته المجزومة لها حكم الصحة، كما هو رأي الجمهور خلافًا لابن حزم، انظر فتح الباري: جـ 5، ص 377.

(3) المغني: جـ 3، ص 94.

(4) سنن أبي داود: جـ 2، ص 270.

(5) مسلم بشرح النووي: جـ 7، ص 125 - سنن أبي داود: جـ 2، ص 311، كما رواه البخاري في باب النفقات، والنسائي في كتاب الزكاة.

(6) نيل الأوطار: جـ 4، ص 186 - سنن النسائي: جـ 3، ص 59.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت