المناقشة
ناقش الحنفية قول الشافعية: إن المرتد قادر على الأداء بتقديم شرطه وهو الإيمان بأن هذا القول فاسد؛ لأن الإيمان أصل، والعبادة تابع له، بدليل لا يتحقق الفعل عبادة بدونه، والإيمان عبادة بنفسه [1] والذي نميل إليه هو: قول الحنفية بأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي لا يطالب بأداء الزكاة لا أثناء ردته ولا بعد عودته إلى الإسلام.
هل يشترط لزكاة الفطر ملك النصاب [2] ؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء -المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو ثور- إلى أنه ليس من شرط زكاة الفطر الغنى أو ملك النصاب، وإنما الذي يشترط فيها هو الإسلام -على ما ذكرناه- وأن تكون زكاة الفطر فاضلة عن قوته وقوت من تلزمه نفقته يوم العيد وليلته، وهو مروي عن أبي هريرة، والشعبي، وابن سيرين، وأبي العالية، والزهري، وابن المبارك [3] .
القول الثاني: ذهب أبو حنيفة وأصحابه [4] إلى أن زكاة الفطر لا تجب إلا على من ملك النصاب، شأنها في ذلك شأن زكاة الأموال.
القول الثالث: ذهب القاسم، والهادي، والمؤيد بالله في أحد قوليه إلى أن القدر الذي يعتبر ملكه لمن تلزمه الفطرة هو: أن يملك قوت عشرة أيام فاضلا عما استثنى للفقير وغير الفطرة [5] .
الأدلة
أدلة أصحاب القول الأول: استدل الجمهور على ما ذهب إليه من أن زكاة الفطر لا يشترط فيها ملك النصاب، بأحاديث كثيرة منها:
1 -ما رواه أحمد عن أبي هريرة في زكاة الفطر: «على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير» .
2 -بما رواه النسائي، وأبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقة فقال: «أفضل الصدقة جهد المقل» [6] وفي رواية الطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعًا «أفضل الصدقة، سر إلى فقير، وجهد من مقل» وفسره في «النهاية» بقدر ما يحتمل حال قليل المال [7] .
3 -وعن سهل بن الحنظلية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: ما يغذيه أو يعشيه» رواه أحمد، وفي رواية أبي داود (يغذيه ويعشيه) [8] .
(1) بدائع الصنائع: المرجع السابق.
(2) النصاب في اللغة: الأصل أي أصل الشيء، وشرعا هو: القدر الذي إذا بلغه المال وجبت الزكاة فيه، وسمي نصابا أخذًا له من النصب؛ لأنه كالعلامة نصبت على وجوب الزكاة؛ أو لأن للفقراء فيه نصيبا. انظر حاشية الدسوقي: جـ 1، ص 340.
(3) انظر المجموع: جـ 6، ص 113 - المغني: جـ 3، ص 94 - بداية المجتهد: جـ 1، ص 315 وما بعدها.
(4) ابن عابدين: جـ 2، ص 360 - تحفة الفقهاء: جـ 2، ص 334.
(5) نيل الأوطار: جـ 4، ص 185.
(6) سنن النسائي: جـ 3، ص 58.
(7) نيل الأوطار: جـ 4، ص 185.
(8) المرجع السابق: ص 160.