فقوله (من المسلمين) : صفة للمخرجين، وعليه فإن الكافر لا يخرج زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته من المسلمين.
وأما المعقول: فلأن زكاة الفطر عبادة، والكافر ليس من أهلها.
أدلة أصحاب القول الثاني: استدل الشافعي، وأحمد في رواية إلى أن زكاة الفطر واجبة على الكافر لكل مسلم تلزمه نفقته بالسنة والمعقول.
أما السنة: فبالحديث السابق ذكره عن ابن عمر، فقوله (من المسلمين) : صفة للمخرج عنهم وليس صفة للمخرجين، بدليل أن في الحديث (العبد والصغير) وهما ممن يخرج عنهم، فدل هذا على أن صفة الإسلام لا تختص بالمخرجين. ويؤيد هذا عند مسلم (على كل نفس من المسلمين حر أو عبد) [1] .
أما المعقول: فقياس زكاة الفطر على النفقة فحيثما وجدت النفقة وجدت زكاة الفطر، وحيثما انعدمت انعدمت الزكاة؛ لأنها تابعة لها [2] .
الترجيح
وبعد أن ذكرنا أقوال الفقهاء وأدلتهم فإنه يبين لنا أن الراجح هو: ما ذهب إليه الجمهور من أن: زكاة الفطر ليست واجبة على الكافر لمن تلزمه نفقته؛ لأن الفطرة طهرة، والكافر ليس من أهلها فليس مطالبًا بإخراجها لا له ولا لغيره.
والقول بأن قوله (من المسلمين) صفة للمخرج عنهم أو صفة للمخرجين محل نظر، فقد قال القرطبي: ظاهر الحديث أنه قصد بيان مقدار الصدقة ومن تجب عليه، ولم يقصد فيه بيان من يخرجها عن نفسه ممن يخرجها عن غيره بل شمل الجميع، ويؤيده حديث أبي سعيد الخدري (كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام. إلخ) فهو يدل على أنهم كانوا يخرجون عن أنفسهم وعن غيرهم.
وقال الطيبي: قوله (من المسلمين) : حال من العبد وما عطف عليه، وتنزيلها على المعاني المذكورة أنها جاءت مزدوجة على التضاد للاستيعاب لا للتخصيص، فيكون المعنى فرض على جميع الناس من المسلمين، وأما كونها فيم وجبت وعلى من وجبت؟ فيعلم من نصوص أخرى [3] .
المسألة الثانية: هل تجب زكاة الفطر على المسلم عمن تلزمه نفقته من الكفار كوالديه أو عبيده أو غيرهم؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء -المالكية، والشافعية، والحنابلة، ومن وافقهم [4] - إلى أن المسلم لا تجب عليه زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته من الكفار.
القول الثاني: ذهب أبو حنيفة، وعطاء، والنخعي، والثوري، وإسحاق إلى أنه يجب على المسلم أن يخرج زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته من الكفار.
سبب الخلاف:
والسبب في اختلاف الفقهاء هو -كما قلنا- اختلافهم في الزيادة الواردة في حديث ابن عمر وهي قوله: (من المسلمين) فإنه قد خولف فيها نافع بكون ابن عمر أيضًا الذي روى الحديث من مذهبه، إخراج الزكاة عن العبيد الكفار.
(1) فتح الباري: جـ 3، ص 370 - المغني: جـ 3، ص80.
(2) مغني المحتاج: جـ 1، ص 402.
(3) فتح الباري: جـ 3، ص 370.
(4) انظر المراجع السابق ذكرها في المسألة الأولى.