الصفحة 18 من 51

الترجيح

وبعد أن ذكرنا أقوال الفقهاء، وأدلتهم في هذه المسألة، ومناقشة ما ورد عليها من مناقشة، فإنه يتضح لنا: أن قول أبي حنيفة ومن وافقه من أن: فطرة المرأة على نفسها في مالها هو الراجح، وهو الأولى بالقبول، وذلك لقوة أدلتهم وخلوها عن المعارض، ولما في ذلك من إشعار المرأة المسلمة بهذا الواجب السنوي وتعويدها البذل والعطاء من مالها الخاص، لا مجرد اعتمادها على الزوج [1] ، ويجوز عند الحنفية أن يؤدي الزوج عن زوجته زكاة فطرتها تطوعا منه لها دون توقف ذلك على أمرها أو إذن منها [2] .

هل على الكافر زكاة الفطر؟

اتفق الفقهاء على أن الإسلام شرط لوجوب زكاة الفطر، فلا تجب على الكافر في نفسه؛ لأنه لا سبيل إلى الإيجاب في حالة الكفر لما فيها من معنى العبادة، والكافر ليس من أهل العبادة.

وإذا كانت زكاة الفطر ليست واجبة على الكافر في نفسه فهل يخرجها عن قريبه المسلم؟ أو يخرجها المسلم عن قريبه الكافر؟ هاتان المسألتان نقوم بتوضيح أقوال الفقهاء فيهما على النحو التالي:

المسألة الأولى: هل تجب زكاة الفطر على الكافر عمن تلزمه نفقته من المسلمين؟ كأن يسلم أبويه أو أحدهما أو غيرهما من أقربائه، اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في الصحيح عنده، وأحمد في رواية، ومن وافقهم [3] إلى أنه لا تجب على الكافر زكاة الفطر لقريبه المسلم ممن تلزمه نفقته.

القول الثاني: ذهب الشافعي في الأصح عنده، وأحمد في رواية إلى أن زكاة الفطر واجبة على الكافر لكل مسلم تلزم الكافر نفقته.

سبب الخلاف:

والسبب في اختلافهم هو: اختلافهم في الزيادة الواردة في حديث ابن عمر السابق ذكره وهذه الزيادة هي قوله:"من المسلمين"فبعضهم ذهب إلى أنها صفة للمخرجين، ومن ثم لا تجب زكاة الفطر على الكافر لمن تلزمه نفقته، والبعض الآخر من الفقهاء ذهب إلى أنها صفة للمخرج عنهم، فتجب زكاة الفطر على الكافر لمن تلزمه نفقته.

الأدلة

أدلة أصحاب القول الأول: استدل جمهور الفقهاء على أن الكافر لا تجب عليه فطرة من تلزمه نفقته من المسلمين بالسنة والمعقول.

أما السنة: فبما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان ... على كل حر، أو عبد ذكر، أو أنثى، صغير أو كبير، من المسلمين) [4] .

(1) انظر فقه الزكاة للدكتور/ يوسف القرضاوي: جـ 6، ص 930.

(2) انظر حاشية ابن عابدين: جـ 2، ص 963 - فتح القدير: جـ 2، ص 285.

(3) ابن عابدين: جـ 2، ص 259 - تحفة الفقهاء: جـ 2، ص 234 - الخرشي: جـ 2، ص 230 - مغني المحتاج: جـ 1، ص 402 - المغني: جـ 2، ص 80.

(4) قوله: (من المسلمين) هذه الزيادة لأئمة الحديث كلام طويل عنها ولم يتفق الرواة عليها، إلا أنها على كل تقدير زيادة من عدل فتكون مقبولة، فقد قال عنها أبو قلابة، ومحمد بن وضاح، وابن الصلاح، ومن تبعه: إن مالكًا تفرد بها دون أصحاب نافع. وقال أبو داود: تفرد بها سعيد بن عبد الرحمن عن ابن عمر. وقال أبو عوانة في صحيحه: لم يقل فيه (من المسلمين) غير مالك والضحاك، والقول بأن مالكا تفرد بها متعقب برواية عمر بن نافع عن ابيه، كما أخرجه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع بهذه الزيادة. وقال النووي في شرح مسلم: رواه ثقتان غير مالك: عمر بن نافع، والضحاك، وقال ابن حجر: كما وقع لنا من رواية جماعة غيرهما منهم: كثير بن فرقد عند الطحاوي، والدارقطني، والحاكم، ويونس بن يزيد عند الطحاوي، والمعلى بن إسماعيل عند ابن حبان، وابن أبي ليلى عند الدارقطني، وعبيد الله بن عمر أخرجه من طريق عبد الرازق عن الثوري عن ابن أبي ليلى، كلاهما عن نافع وهذه الطريق ترد على أبي داود. انظر سبل السلام: جـ 2، ص 620 - فتح الباري: جـ 3، ص 369 - النووي: جـ 7، ص 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت