الصفحة 14 من 51

الترجيح

وبعد أن سقنا أقوال الفقهاء وأدلتهم ثم مناقشتها يبين لنا أن ما ذهب إليه الجمهور من زكاة الفطر فريضة على من صام، ومن لم يصم هو: الراجح، وذلك لقوة أدلتهم وسلامتها عن المعارض؛ لأن وجود الصوم في شهر رمضان ليس بشرط لوجوب الفطرة، فمن أفطر لكبر، أو مرض، أو سفر يلزمه صدقة الفطر حيث إن الأمر بأدائها مطلق عن هذا الشرط [1] ، وهذا ما نميل إليه ونرجحه [2] .

هل تجب زكاة الفطر على الصبي واليتيم والمجنون؟

اختلف الفقهاء في إيجاب زكاة الفطر على هؤلاء في ما لهم وذلك على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء -الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، ومن وافقهم [3] - إلى أن زكاة الفطر تجب على الصبي، واليتيم، والمجنون، في مالهم؛ لأن البلوغ والعقل ليسا من شروط الوجوب، فإن كان لهم مال أخرجها وليهم عنهم، شأنها في ذلك شأن زكاة الأموال، وإن لم يكن لهم مال فإن فطرتهم تكون واجبة على من تلزمه نفقتهم.

واستدل الجمهور على ما ذهب إليه بالأحاديث السابق ذكرها حيث ورد بها: «على كل صغير أو كبير» .

القول الثاني: ذهب محمد بن الحسن، وزفر من الحنفية [4] إلى أن زكاة الفطر لا تجب على الصبي، والمجنون حتى ولو كان لهما مال، وإنما تجب على الأب أو الوصي، فإن أعطاها الأب أو الوصي من مال الصبي والمجنون فإنهما يضمنان، وإن لم يكن للصبي أو المجنون أب فلا شيء عليهما [5] كاليتيم.

واستدل محمد بن الحسن، وزفر على قولهما بأن زكاة الفطر عبادة، والعبادات لا تجب على الصبيان والمجانين [6] .

الجواب: أجاب الجمهور بأن زكاة الفطر ليست بعبادة محضة حتى يقال بأنها لا تجب على الصبيان والمجانين، وإنما هي عبادة فيها معنى المؤنة فأشبهت العشر [7] .

الراجح:

والراجح هو: ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن فطرة الصبي، واليتيم، والمجنون، إنما تجب عليهم في مالهم ويخرجها عنهم وليهم، فإن لم يكن لهم مال ففطرتهم على من تجب عليه نفقتهم.

هل تجب على الجنين؟

ذهب جمهور الفقهاء وأكثر أهل العلم [8] إلى أن: زكاة الفطر ليست واجبة على الجنين؛ لعدم تعلق الزكاة به فهو كأجنة البهائم، ولم تثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث، والوصية بشرط أن يخرج حيًا.

وذهب ابن حزم الظاهري إلى أن: الجنين إذا أكمل في بطن أمه مائة وعشرين يومًا قبل انصداع الفجر من ليلة الفطر وجب أن تؤدى عنه صدقة الفطر. لما ورد في الحديث الصحيح من أنه ينفخ فيه الروح حينئذ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(1) المرجع السابق.

(2) بدائع الصنائع: جـ 2، ص 70.

(3) فتح القدير: جـ 2، ص 285، بدائع الصنائع: جـ 2، ص 69 وما بعدها، بداية المجتهد: جـ 1، ص 375، الخرشي: جـ 2، ص 230، مغني المحتاج: جـ 1، ص 403، المغني لابن قدامة: جـ 3، ص 90.

(4) انظر فتح القدير، وبدائع الصنائع، وبداية المجتهد: المراجع السابقة.

(5) نيل الأوطار: جـ 4، ص 181، سبل السلام: جـ 2، ص 619.

(6) بدائع الصنائع: جـ 2، ص 70.

(7) المرجع السابق.

(8) المغني لابن قدامة: جـ 3، ص 99 - ابن عابدين: جـ 2، ص 361 - المجموع: جـ 6، ص 139.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت