«إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ... » [1] .
فهذه الأطوار الثلاثة جملتها مائة وعشرين يومًا، ودليل ابن حزم على ما ذهب إليه هو: حديث ابن عمر الذي رواه البخاري من أنه -صلى الله عليه وسلم- فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير ... إلخ فقال: بأن الجنين يطلق عليه اسم"صغير"فكل حكم وجب على الصغير فهو واجب عليه.
وروى ابن حزم عن قتادة: أن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان يعطي صدقة الفطر عن الصغير، والكبير، والحمل.
وروى ابن حزم أيضًا عن عبد الرازق عن أبي قلابة أنه قال: كان يعجبهم أن يعطوا زكاة الفطر عن الصغير والكبير حتى الحمل في بطن أمه.
قال ابن حزم: وأبو قلابة أدرك الصحابة وصحبهم وروى عنهم.
كما روى ابن حزم من طريق عبد الرازق أيضًا عن مالك عن رجل عن سليمان بن يسار: أنه سئل عن الحمل أيزكى عنه؟ قال: نعم، قال: ولا يعرف لعثمان في هذا مخالف من الصحابة [2] .
والصواب: هو ما ذهب إليه الجمهور من أن زكاة الفطر لا تجب على الجنين، وما ذكره ابن حزم لا دليل عليه [3] ؛ لأنه لا يمكن إطلاق اسم"صغير"الوارد في الحديث على الحمل. وما روي عن عثمان، وأبي قلابة، وسليمان بن يسار، فإنه لا يدل إلا على الاستحباب؛ لأنها صدقة عمن لا تجب عليه فكانت مستحبة كسائر صدقات التطوع [4] .
هذا وقد ذكر ابن حجر، والشوكاني، والنووي [5] أن ابن المنذر نقل الإجماع على أن زكاة الفطر لا تجب على الجنين قال: وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه [6] ، وقول الجمهور هو ما نميل إليه ونرجحه.
هل تجب زكاة الفطر على الزوجة؟
اختلف الفقهاء في وجوب الفطرة على الزوجة في نفسها، ومالها وذلك على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء -مالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وإسحاق، وأبو ثور [7] - إلى أن زكاة الفطر لا تجب على الزوجة، وإنما تجب على زوجها. وبه قال علي بن أبي طالب، وابن عمر رضي الله عنهم [8] .
القول الثاني: ذهب أبو حنيفة، وصاحباه، والثوري، وابن حزم الظاهري، وابن المنذر [9] من أصحاب الشافعي إلى أن فطرة المرأة على نفسها سواء كانت زوجة أم لا.
(1) متن الأربعين النووية: ص 7 - ط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
(2) المحلى لابن حزم: جـ 6، ص 132.
(3) قال الشيخ أحمد شاكر معلقًا على رأي ابن حزم: لكن هل في شيء مما أتى به المؤلف حجة على وجوب زكاة الفطر على الحمل؟
(4) المغني: المرجع السابق.
(5) فتح الباري: جـ 3، ص 369 - نيل الأوطار: جـ 5، ص 181 - المجموع: جـ 6، ص 139.
(6) وعن أحمد رواية أخرى: أنها تجب عليه؛ لأنه آدمي تصح الوصية له وبه ويرث فيدخل في عموم الأخبار ويقاس على المولود، لكن المذهب ما ذكرناه، انظر المغني: جـ 3، ص 99.
(7) حاشية الدسوقي: جـ 1، ص 506، المجموع: جـ 6، ص 118، المغني: جـ 3، ص 90.
(8) المجموع: المرجع السابق.
(9) ابن عابدين: جـ 3، ص 363 - فتح القدير: جـ 2، ص 285 - المبسوط: جـ 3، ص 105 - المجموع: جـ 6، ص 118 - المغني: جـ 3، ص 90.