والجواب: أن من المعلوم عند أهل العلم ، أن الخلاف المتأخر لا ينقض الإجماع المتقدم ، وإلا لو كان الأمر كذلك لما بقي إجماع على وجه الأرض ، لأنه لا يحصى المخالف للإجماع في المتأخرين ، وهاهم أهل السنة والجماعة لا يزالون يذْكُرُون إجماع السلف ويحتجون به ، مع مخالفة من خالف من أهل البدع بعد انعقاد الإجماع .
ولاشك أن ابن حزم وغيره ممن تأخر إذا خالف الإجماع المنعقد قبله لا ينظر إليه .
قال ابن تيمية - رحمه الله -: وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرد ذلك من مسائل الاجتهاد التي يكون كل قول من تلك الأقوال سائغًا ، لأن كثيرًا من أصول المتأخرين مبتدع في الإسلام ، مسبوق بإجماع السلف على خلافه ، والنزاع الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعًا .ا.هـ [ الفتاوى 13/26] .
وهذه المسألة التي نحن فيها - أي مسألة المعازف - من هذا القبيل إذ لم يخالف فيها إلا من تأخر وشذ من الظاهرية كابن حزم ، والصوفية .
قال ابن رجب - رحمه الله -: سماع آلات الملاهي ، لا يعرف عن أحد ممن سلف الرخصة فيه ، وإنما يعرف ذلك عن بعض المتأخرين من الظاهرية والصوفية ممن لا يعتد به .ا.هـ [ نزهة الأسماع 69] .
وقال ابن كثير - رحمه الله: قد نقل غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على تحريم اجتماع الدفوف والشبابات ، ومن الناس من حكى في ذلك خلافًا شاذًا .ا.هـ [جواب لابن كثير ملحق بكتاب على مسألة السماع لابن القيم 472 ]
فها أنت ترى أن ابن رجب وابن كثير علموا بالخلاف الحادث بعد الإجماع ولم يأبهوا به ، ولم يلتفتوا إليه ، إذ إنه لا يعتد به . وسموه خلافًا شاذًا .
ولذا قال ابن تيمية: وأهل الظاهر [ يعني الظاهرية أتباع ابن حزم ] كل قول انفردوا به عن سائر الأمة فهو خطأ .ا.هـ [ منهاج السنة 5/178 ] .
الشبهة الثانية:
قالوا: إنه يكفي العامي أن يقلد أحد العلماء في مسائل الشريعة وابن حزم من العلماء ، فلو قلده في مسألة المعازف فلا لوم عليه .