أسابيع، لم يكن باستطاعتنا الجلوس لضيق الخندق طوال تلك المدة إلا جلسة الإحتباء، وكنا أجلَّكم الله نبول ونتغوط في مكاننا، ثم نتيمم ونصلي إيضًا في نفس المكان، حتى قررنا أن نخرج ونقاتل بما معنا من ذخيرة إذ أننا كنا بين خيارين لا ثالث لهما: فإما أن نخرج ونقاتل بما معنا من ذخيرة حتى نقتل، وإما أن نبقى في مكاننا ونموت جوعًا، وسبحان الله ففي فجر اليوم التالي انسحب القناصة من البيت، وفي ضحى ذلك اليوم تقريبًا جاء الإخوة إلينا وكان أحدهم قد رآنا ونحن نأوي إلى ذلك البيت، ثم أخرجونا من الفلوجة مع سائر إخواننا الذين لم تكتب لهم الشهادة فيها"."
وما إن انتهى من قصته حتى كانت أعين الإخوة تفيض من الدمع لتأثرهم بتلك القصة التي لا أشك أن الإخوة قد تعلموا منها الكثير من دروس الصبر والثبات والتوكل على الله، ولا أستثني نفسي منهم إذ كانت تلك أول مرة أسمع فيها بقصة أخينا أبي علي رحمه الله، ثم بدأ بالنشيد وكان الله قد وهبه صوتًا جميلًا جدًا، وكان مما أنشد رحمه الله في ذلك اليوم أنشودة أيها المسلمون، وأنشودة فوق الجنان، ولا زلت أتذكره كلما سمعت أحدًا ينشد هاتين الأنشودتين.
وكان رحمه الله أحد الثلاثة الذين بقوا في مضافة المعاضيد كما ذكرنا في قصة أخينا الشيخ أبي حيدرة آنفًا، للتربص بعباد الصليب، فقتل فيه رحمه الله بالقصف فنال أجر شهادتين، شهادة القتل في سبيل الله وشهادة الموت تحت الهدم، أحسبه كذلك والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا، وأسأله سبحانه أن يكون أبو علي الآن كما أنشد فوق الجنان، يتنعم بوصال الحور الحسان، يأمن بجوار العزيز الرحمن، آمين يا رب العالمين.