الصفحة 71 من 231

أقف عند هذه الآية الكريمة فأرى فيها السياسة والاقتصاد والحالة الاجتماعية والحاجات الإنسانية مجتمعة بشكل متناسق، فقد وصل هذا الشاب المتميز إلى مدين هاربًا من بطش فرعون وجَوره ورأى فتاتين تنتظران أن ينتهي الرجال من سقي أنعامهم ليبدأ دورهما في ذلك، فهما عفيفتان لا تختلطان بالرجال، ولعل أسرتهما ليس فيها رجال يقومون بهذه المهمة (الرعي) فاضطرتا إلى هذا العمل المرهق. فيسقي لهما، وتأبى أخلاقه العظيمة أن يستغل عمله في الحديث معهما، فيتولّى إلى الظل ويسأل الله أن يحفظه في غربته ويجد له من فضله الكبير مخرجًا. فيدعو بهذا الدعاء الذي سرعان ما وصل فكانت الإجابة فورية"ربّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير (24) ".

وينطلق هذا الشاب خلف الفتاة إلى أبيها - ولعلك أخي الحبيب تقرأ مقالي"تأملات تربوية في سورة القصص"فتضح الصورة أكثر - ويقص الشاب على أبيها قصته مع طاغوت مصر، فيطمئنه أن سلطان هذا الفرعون لا يصل إلى مدين، فهو الآن في أمان.

وحين يتعرف الأب القصة ويجد في ملامح هذا الشاب المؤمن الجريء الخيرّ، وهو بحاجة إلى شاب يقوم على خدمة الأسرة، ولن يجد خيرًا منه يعرض عليه عرضًا يجعله من أركان أسرته. إنه يخطبه لإحدى بنتيه، وليس من العيب أن يتخير الأب لابنته زوجًا صالحًا كما يتخير لولده زوجة صالحة، بل إن تخيّر بعل الزوجة أهم وأفضل من البحث عن زوجة للابن، فللزوج القوامة، وهو المسيطر على البيت وسيده، فإن كان صالحًا ارتاحت الزوجة وإن لم يكن عاشت في ضنك وتعاسة، فطلب المرأة الطلاق عزيز وصعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت