الصفحة 192 من 231

دخلت بيته وأنا غلام، سألتهم أين صاحب البيت؟ قالوا في غرفة أمه .. كان الصبيان وأمهم يأكلون الخبز اليابس مفتتًا في شوربة العدس مع البصل اليابس. .. كان الوقت ظهرًا وأنا جائع، فجلست معهم آكل. وكل طعام لذيذ حين يكون المرء جائعًا. شبعت، ثم شربت كأسين ماءً باردًا من (الخابية) ، فارتويت - والخابية: إناء فخاري كبير ذو مسامات دقيقة يرشح منها الماء فيبرد ما فيها، وحمدت الله تعالى على نعمه التي لا تُعدّ ولا تُحصى.

طرقت الباب ودخلت عليهما، فسلمت فردّا السلام. كان وحده معها يطعمها بيده اللحم المشوي، ويحدثها، ويمازحها، فتردّ عليه بما يثلج صدره فيضحك، ثم يعود إلى إلقاء بعض الكلمات فتسبه سبًا لطيفًا فيعود إلى تقبيلها من يديها ثم من خديها ورأسها. وتقول لي أسمعت ما يقول عمك يا عثمان، فأرد: لا دخل لي بين البصلة وقشرتها، فتسبني قائلة أنت مثله قليل الأدب، فأضحك وأقول: قصدت التفاحة وقشرتها يا جدتي. فتبتسم وتقول داعية لنا جميعًا: اللهم ارض عنهم وعن أبنائهم، فأنا راضية عنهم.

لم يكن عمي وقتذاك ميسورًا، وطلبت منه جدتي اللحم المشويّ. إنه يطلب رضاها ويودّ أن يكون بها بارًا، فالجنة تحت أقدام الأمهات، وكان يردد القول المأثور:"برّوا آباءكم تبرَّكم أبناؤكم". فكر قليلًا ثم قال لزوجته - وهي امرأة لبيبة عاقلة - يا ابنة عمي؛ لن أستطيع شراء ثلاث كيلات من اللحم لتاكل الأسرة كلها معًا، ولن أشوي نصف كيل من اللحم وأضعه أمام أمي، والأولاد ينظرون، إنهم لا يقدّرون الظروف فهم صغار لا يعقلون. وسيتألمون إن رأوا جدتهم تأكل اللحم وحدها، وهم يأكلون شوربة العدس المطحون. وقد يمدون أيديهم إلى اللحم ويسبقون جدتهم في أكله. أشغليهم بالأكل وسأدخل إلى أمي فأطعمها ثم أعود إليكم.

حفر عمله هذا في قلبي حبًا للوالدين، فكان لي أستاذًا ومعلمًا، ولن أنسى هذا الدرس ما حييت، ولأحدثَنّ به كي يتأساه كل ذي قلب حي وعقل عقول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت