و قد ذكر شيخ الإسلام الإمام محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره لهذه الآية، ..."أن النهي عن التنازع يقتضي الأمر بتحصيل أسباب ذلك: بالتفاهم، والتشاور، ومراجعة بعضهم بعضا، حتى يصدروا عن رأي واحد، فإن تنازعوا في شيء رجعوا إلى أمرائهم لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} (2) وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (3) . والنهي عن التنازع أعم من الأمر بالطاعة لولاة الأمور: لأنهم إذا نهوا عن التنازع بينهم فالتنازع مع ولي الأمر أولى بالنهي."
ولما كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء، وهو أمر مرتكز في الفطرة بسط القرآن القول فيه ببيان سيئ آثاره، فجاء بالتفريع بالفاء في قوله: {فتفشلوا وتذهب ريحكم} فحذرهم أمرين معلوما سوء مغبتهما و هما: الفشل و ذهاب الريح.
والفشل: انحطاط القوة وقد تقدم آنفا عند قوله: وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ (4) وهو هنا مراد به حقيقة الفشل في خصوص القتال ومدافعة العدو، ويصح أن يكون تمثيلا لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت قوته وفشلت أعضاؤه، في انعدام إقدامه على العمل. انتهى كلامه" (5) ."
ثم إنه من المهم جدا أن يُحمل الفشل في الآية على معنى أعم و أوسع، بحيث لا يقتصر الفشل على ساحات الوغى وقتال المسلمين فحسب - كما هو السبب الذي وردت من أجله هذه الآية الكريمة - و إنما يشمل الفشل الحياة كافة بشمولها و تشعب مجالاتها، وهو الفهم الأشمل الذي لا يأباه الدين، و المعنى الذي يحقق كلياته الأساسية و مقاصد القرآن الكريم.
(1) الأنفال 46. ... (2) النساء 83. ... (3) النساء 59. ... (4) الأنفال 43. ... (5) التحرير و التنوير ص30 - 31.
فكيف يؤدي التنازع إلى الفشل؟
يقول الشيخ الإمام ابن عاشور:"وإنما كان التنازع مفضيا إلى الفشل لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر، فيحدث في نفوسهم"