لهلال شوال، مقابل ثبوت رؤيته عند غيرهم قبل يوم في غير المدينة المنورة، دليل شرعي لا لبس فيه و لا غبار عليه من أن العمل الذي كان يجري على عهده صلى الله عليه و سلم هو اجتماع المسلمين على يوم واحد في صيامهم و كذا في إفطارهم.
خامسا: وهنا يجب توضيح مسألة مهمة وهي أن الاستدلال للحكم على مسألة معينة باجتهاد صحابي، ناهيك عن قوله و فعله، و يكون في السنة دليل أقوى و أوضح من اجتهاد هذا الصحابي أو قوله و فعله. صار لزاما طرح اجتهاده و الأخذ بقول الرسول صلى الله عليه ... و سلم في المسألة، لأن السنة قد تعزب عن الصحابي فيجتهد بخلافها و يحاذي مرادها.
أما إن كان الصحابي راويًا للحديث و عمل بخلافه فيكون عمله تأويلًا للحديث و اجتهادا منه،
و هذا الذي كان عليه عمل ابن عباس رضي الله عنهما، لأن المتأمل فيمن روى حديث (صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته) عن النبي صلى الله عليه و سلم يجد أن ابن عباس رضي الله عنهما أحد رواة الحديث.
فالحجة بما روى لا بما رأى، أي بما رواه عن النبي صلى الله عليه و سلم و ليس بما اجتهد فيه. و هذا من شأنه أن يذكرنا بحديث ابن عمر (1) رضي الله عنهما في الإعفاء عن اللحية الذي رواه عن النبي صلى الله عليه و سلم، إلا أن العمل به كان قد قيده باجتهاد منه بما لا يزيد على القبضة. فكان رضي الله عنهما إذا حج واعتمر قبض على لحيته فأخذ ما زاد منها مع أنه هو الذي روى هذا الحديث.
(1) ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حفوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المشركين"رواه البخاري: اللِّبَاسِ (5892) , ومسلم: الطهارة (259) , والترمذي: الأدب (2764) , وأبو داود: الترجل (4199) . وفي لفظ:"وفروا اللحى"رواه البخاري: اللباس (5892) ."
و هذا ما حققه العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب تفسير أضواء البيان في مذكرة الأصول في قوله: (واعلم أن التحقيق أنه لا يخصص النص بقول الصحابي إلا إذا كان له حكم الرفع، لأن النصوص لا تخصص باجتهاد أحد، لأنها حجة على كل من خالفها) (1) .
و نختم القول في هذه المسألة بالشرح الممتع لحديث كريب (2) للإمام الشوكاني الذي أجاد فيه و أقنع، يزيل عن الأمة عضال الفرقة و الوجع، و ما علق فينا من أذيال الطمع، فجازاه الله