الصفحة 9 من 67

ولقد وصف أبو العريان، الهيثم بن الأسود النخعي حالة من كبرت سنُّه نثرًا وشعرًا عندما سأله صاحبه عن حاله، فقال: (( أجدني قد ابيضّ مني ما كنت أحب أن يسودّ، واسودّ مني ما كنت أحب أن يبيضّ، ولان مني ما كنت أحب أن يشتدّ، واشتدّ مني ما كنت أحب أن يلين، و أجدني يسبقني من بين يديّ، ويدركني من خلفي، وأنسى الحديث، وأذكر القديم، وأنعس في الملأ، وأسهر في الخلاء، وإذا قمتُ قربت الأرض مني، وإذا قعدتُ بعدت عني ) )، ثمَّ أنشد شعرًا:

فاسمع أنبئك بآيات الكبر

تقارب الخطو وضعف البصر

وقلة الطعم إذا الزاد حضر

وكثرة النسيان ما بي مُدّكر

وقلة النوم إذا الليل اعتكر

أوله نومٌ وثلثاه سهر

وسعلة تعتادني مع السحر

وتركي الحسناء في حين الطُهر

وحذرًا أزداده إلى حذر

والناس يبلون كما يبلى الشجر [1]

وسأل الحجاج رجلًا من بني ليث، قد بلغ سنًا كبيرة، قال: كيف طعمك؟ قال: إذا أكلت ثقلت، وإذا تركت ضعفت. قال: فكيف نكاحك؟ قال: إذا بُذل لي عجزت، وإذا منعت شرهت. قال: كيف نومك؟ قال: أنام في المجمع وأسهر في المضجع. قال: كيف قيامك وقعودك؟ قال: إذا أردت الأرض تباعدت منّي، وإذا أردت القيام لزمتني. قال: كيف مشيتك؟ قال: تعقلني الشعرة وأعثر بالبعرة.

ولبعض حكماء العرب قصيدة يصف فيها مراحل الإنسان العمرية التي يمر بها وحالته في كل مرحلة من المراحل، يقول فيها [2] :

ابنُ عشرٍ من السنين غلام ... همه اللعبُ مولع بالحمام

وابنُ عشرين مولع بالغواني ... لا يبالي ملامة اللوَّام

والذي يبلغ الثلاثين عامًا ... فضروب لدى الوغى بالحسام

فإذا جاوزها بعشر سنين ... كان أقوى من كل قرن مُسام

وابن خمسين للنوائب يرجى ... ولنقض الأمور والإبرام

(1) بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذاهن والهاجس، ابن عبدالبر، تحقيق: محمد مرسي الخولي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1981م، جزء 2، ص. ص 227 - 232.

(2) 2) بهجة المجالس وأنس المجالس، مرجع سابق، جزء 2، ص 227 ـ 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت