فقال: لا والله , ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك , نجد حد الزاني في كتابنا الرجم , ولكنه كثر في أشرافنا , فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه , وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد , فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع , فاجتمعنا على التحميم والجلد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه ) قال: فأمر به فرجم . قال فأنزل الله: ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ) ... ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ) .
وهكذا رواه الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده , وغيره من الحفاظ وأهل الحديث .
ولم يرو أحد أن اليهود جحدوا حكم الله أو استحلوا حكم غيره . قال شيخنا أبو محمد المقدسي فك الله أسره: (بدلوا) حد الزنا أو (اجتمعوا) أو (اصطلحوا) أو (تواطؤوا) .. ثم علق على ذلك في الحاشية قائلًا: هذه هي الألفاظ التي عُلّق مناط الكفر بها في الأحاديث الواردة في أمر اليهود وكفرهم لتبديل حكم الله.. وهي مناط الحكم بالكفر، وليس في تلك الأحاديث ذكر للاعتقاد أو الجحود أو الاستحلال فراجعها واحفظها لتلجم بها أفواه مرجئة العصر. [ إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر ص 59 ] وقال أيضًا في الكتاب نفسه ص 52: واليهود عندما بدلوا حد الزنا واصطلحوا واجتمعوا على حكم غيره، لم يعتقدوا إباحة الزنا أو استحلاله، بل كانوا يعتقدون حرمته بتحريم الله له، ولا هم زعموا أو قالوا أن الحكم الذي وضعوه هو من عند الله، ولا قالوا أنه أفضل من حكم الله أو أعدل، ولا صرّحوا باستحلالهم للتشريع أو أنهم يعتقدون أن لهم حق التشريع.. أو شيئًا نحوه.. بل كفروا بمجرد تواطئهم واجتماعهم واصطلاحهم على حكم وتشريع غير حكم الله وتشريعه، وكانوا أربابًا لمن أطاعهم وتابعهم وتواطأ معهم على ذلك التشريع.أهـ وقال عبد المجيد الشاذلي في كتابه"حد الإسلام وحقيقة الإيمان" [ ص383 طبعة جامعة أم القرى ] : وكذلك لا شأن للاعتقاد بمعنى المعرفة بالأمر، فاليهود عندما اصطلحوا على الجلد والتحميم بدلًا من الرجم كانوا متأثمين بذلك يبحثون له عن مخرج فقهي، ولذلك قالوا:"انطلقوا إلى هذا النبي فإنه قد بعث بالتخفيف فإن أفتاكم بالجلد والتحميم كان حجة لكم عند الله: { وإن لم تؤتوه فاحذروا } [المائدة: 41] . وقال عبد الله بن محمد بن أحمد القنائي في كتابه (حقيقة الإيمان) ص (95) حول سبب نزول قوله تعالى: { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } [المائدة: 44] "فإن من المعلوم في سبب نزول الآية أن اليهود إنما غيروا الحكم الذي في التوراة دون حذفه منها، ودون اعتقاد أن هناك حكمًا جديدًا مستأنفًا نزل من عند الله، وإنما هم غيروه مع إثبات الحكم الأصلي،