4 -أن العلمانية لا تتعارض مع الإسلام [1] .
ثالثًا: نشأة العلمانية وتاريخها:
كان الغرب النصراني في ظروفه الدينية المتردية هو البيئة الصالحة، والتربة الخصبة التي نبتت فيها شجرة العلمانية وترعرعت، وقد كانت فرنسا بعد ثورتها المشهورة هي أول دولة تقيم نظامها على أساس الفكر العلماني، ولم يكن هذا الذي حدث من ظهور الفكر العلماني والتقيد به، بما يتضمنه من إلحاد، وإبعاد للدين عن كافة مجالات الحياة، بالإضافة إلى بغض الدين ومعاداته، ومعاداة أهله، أقول لم يكن هذا حدثًا غريبًا في بابه؛ ذلك لأن الدين عندهم حينئذ لم يكن يمثل وحي الله الخالص الذي أوحاه الله إلى عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام -، وإنما تدخلت فيه أيدي التحريف والتزييف، فبدلت وغيرت، وأضافت وحذفت، فكان من نتيجة ذلك أن تعارض الدين المبدل مع مصالح الناس في دنياهم أو معاملاتهم، في الوقت نفسه الذي تعارض مع حقائق العلم الثابتة، ولم تكتف الكنيسة - الممثلة للدين عندهم - بما عملته أيدي قسيسيها ورهبانها من التحريف والتبديل، حتى جعلت ذلك دينًا يجب الالتزام والتقيد به وحاكمت إليه العلماء المكتشفين، والمخترعين، أو عاقبتهم على اكتشافاتهم العلمية المناقضة للدين المبدل، فاتهمتهم بالزندقة والإلحاد، فقتلت من قتلت، وحرقت من حرقت، وسجنت من سجنت [2] .
ومن جانب آخر فإن الكنيسة - الممثلة للدين عند النصارى - أقامت تحالفًا غير شريف مع الحكام الظالمين، وأسبغت عليهم هالات من التقديس والعصمة، أو سوغت لهم كل ما يأتون به من جرائم وفظائع في حق شعوبهم، زاعمة أن هذا هو الدين الذي ينبغي على الجميع الرضوخ له والرضا به.
ومن هنا بدأ الناس هناك يبحثون عن مهرب لهم من سجن الكنيسة ومن طغيانها.
(1) التيارات الفكرية والحركات المعاصرة/ أحمد السايح ص103،104.
(2) انظر: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين/ أبو الحسن الندوي ص191 وما بعدها.