الصفحة 32 من 1195

ولم يكن مخرجهم الذي اختاروه - إذ ذاك -، إلا الخروج على ذلك الدين الذي يحارب العلم ويناصر المجرمين، والتمرد عليه، وإبعاده وطرده، من كافة جوانب الحياة السياسية، والاقتصادية، والعلمية، والأخلاقية، وغيرها [1] .

ولقد كان للنصارى العرب المقيمين في بلاد المسلمين دور كبير، وأثر خطير، في نقل الفكر العلماني، كما كان أيضًا للبعثات التعليمية التي ذهب بموجبها طلاب مسلمون إلى بلاد الغرب لتلقي أنواع العلوم الحديثة أثر كبير في نقل الفكر العلماني ومظاهره إلى بلاد المسلمين، حيث افتتن الطلاب هناك بما رأوا من مظاهر التقدم العلمي وآثاره، فرجعوا إلى بلادهم محملين بكل ما رأوا من عادات وتقاليد، ونظم اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، عاملين على نشرها والدعوة إليها، في الوقت نفسه الذي تلقاهم الناس فيه بالقبول الحسن، توهمًا منهم أن هؤلاء المبعوثين هم حملة العلم النافع، وأصحاب المعرفة الصحيحة، ولم تكن تلك العادات والنظم والتقاليد التي تشبع بها هؤلاء المبعوثون وعظموا شأنها - عند رجوعهم إلى بلادهم -، إلا عادات وتقاليد ونظم مجتمع رافض لكل ما له علاقة أو صلة بالدين [2] .

ومما يدل على خطورة هذا الأمر ما أشار إليه أحد رموز الغرب [3] ، حيث يقول: (( كنا نحضر رؤساء القبائل وأولاد الأشراف والأثرياء من إفريقيا وآسيا، ونطوف بهم بضعة أيام في {أمستردام، ولندن، والنرويج، وبلجيكا، وباريس} ، فتتغير ملابسهم، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة، ويتعلمون منا طريقة جديدة في الرواح والغدو، ويتعلمون لغتنا، وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا، وكنا ندبر لبعضهم - أحيانًا - زيجات أوربية، ثم نلقنهم أسلوب الحياة الغربية.

كنا نضع في أعماق قلوبهم الرغبة في أوربا، ثم نرسلهم إلى بلادهم وأي بلاد؟! بلاد من كانت أبوابهم مغلقة دائمًا في وجوهنا، ولم نكن نجد منفذًا إليها، كنا بالنسبة لهم رجسًا ونجسًا، ولكن منذ أن

(1) انظر: العلمانية وثمارها الخبيثة/ محمد شاكر الشريف ص9 - 11، والعلمانية-النشأة والأثر/ زكريا فايد ص13 وما بعدها، والتيارات الفكرية والحركات المعاصرة/ أحمد السايح ص100، والمسلمون بين العلمانية وحقوق الإنسان الوضعية/ عدنان علي النحوي ص36 وما بعدها، والتاريخ المعاصر (أوربا) / عبدالعزيز نوار وعبدالمجيد نعنعي ص19 وما بعدها.

(2) انظر: العلمانية وثمارها الخبيثة/ محمد شاكر الشريف ص9 - 11.

(3) وهو جان بول سارتر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت