الصفحة 31 من 141

أقول:- اعلم رحمك الله تعالى أن المتقرر في باب العبادات أن مبناه على الوقف ، فلا يجوز التعبد بشيء إلا وعليه دليل وأما باب العادات فاعلم أن المتقرر فيه أن مبناه على الحل والإباحة إلا بدليل ، فكل ما اعتاده أهل بلدٍ فإنه على الإباحة إلا الأعراف التي خالفت النص الشرعي فالواجب تركها ، فالعادات داخلة في دائرة الإباحة وأنت تعلم أن المباح في ذاته لا يثاب العبد على فعله ولا يعاقب على تركه ، والإنسان في حياته غالبًا يتقلب بين عبادة أو عادة ، أي أن العبد إما أن يكون في عبادة وإما أن يكون في عادة ، ومن المعلوم أن الوقت الذي نقطعه في مزاولة العادات أكثر بكثير من الأوقات التي نقطعها في مزاولة العبادة ، وهذا في غالب الناس ، ومن المعلوم أن العبد مسئول يوم القيامة عن عمره وأوقاته ، فالعمر والوقت أمانة قد استرعاك الله عليهما وسوف يسألك عن كل دقيقة من هذا العمر وفي الحديث ( لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله مما اكتسبه وفيما انفقه ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم . فكان الذي ينبغي لمن نصح لنفسه أن لا تمر عليه لحظة إلا وهو في عبادة ، ولكن لا شك أن النفس ستمل إذا كان العبد في ذكرٍ دائم أو صلاة دائمة أو صدقة دائمة أو مجلس علم دائم وهذا مستحيل أصلًا ولا يستطيعه أحد ، لكن لو حقق العبد هذه القاعدة لصارت أوقاته كلها عبادة ، ولما مرت عليه لحظة إلا وهي في ميزان حسناته ولا كلفه في تحقيقها أبدًا وإنما يطلب من العبد فقط أن يتعود عليها وأن يربي نفسه دائمًا عليها وأن يتعاون هو وأسرته ، أو يتعاون هو ورفقته على تحقيقها وتذكير النفس بها دائمًا وعليه أن يستعين بالله تعالى على تحقيق هذه القاعدة حتى يكون في عبادة دائمًا وهذا يحتاج إلى همة وعزيمة ، فما عليك إلا أن تستشعر جانب التعبد قبل مزاولة هذه العادة وفي أثناء مزاولتها ، فإذا فعلت ذلك فإنها تنقلب من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت