والأدلة في ذلك من السنة كثيرة وقد اتفق عامة أهل العلم على مشروعية الاعتكاف وإنما اختلفوا في بعض تفاصيله وحيث تقرر لك أن الاعتكاف عبادة فلا بد أن تقرن هذا مع ما تقرر عند أهل العلم بالإجماع أن العبادات حق لله تعالى لا يجوز صرفها لملكٍ مقرب ولا لنبيٍ مرسل ولا لوليٍ صالح ولا لقبرٍ ولا لغير ذلك فالعبادة حقه الصرف المحض الذي لا حق لأحد معه فيه فلا شريك له جل وعلا في العبادة البتة وبناءً عليه فلا يجوز مطلقًا الاعتكاف عند قبرٍ ولا شجرةٍ ولا حجرٍ ولا مغارةٍ ولا أي شيءٍ في الدنيا لأن هذا الاعتكاف من العبادات التي لا يجوز صرفه لغيره جل وعلا ولأن الاعتكاف من العبادات التي حددت الشريعة لها مكانًا معينًا وهو المساجد فهي عبادة مقيدة بمكانٍ معين وقد تقرر أن ما ورد مقيدًا فإنه يجب بقاؤه مقيدًا ولا يجوز إطلاقه إلا بدليل فكما أن المطلق لا يجوز تقييده إلا بنص فكذلك المقيد لا يجوز إطلاقه إلا بنص ولا نعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اعتكف في غير المسجد لا هو ولا أحد من أصحابه رضوان الله عليهم ولا نعلم عن أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه اعتكف في غير مسجد بل إننا لا نعلم على مر التاريخ منذ بعثته - صلى الله عليه وسلم - إلى عصرنا هذا أن أحدًا من أهل العلم المقتدى بهم قد فعل ذلك أو أجازه بل الثابت عن كثير من أهل العلم إنكار ذلك ووصفه بأنه من المحدثات والبدع ففي الحقيقة أن الاعتكاف عند القبور الليالي ذوات العدد إنما هو من سنة الجاهلية التي جاء الإسلام بإبطالها فقد كان أهل الجاهلية يعتكفون عند أصنامهم وأوثانهم قال الله تعالى حاكيًا عن إبراهيم الخليل - عليه السلام - أنه قال لقومه { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } وقال تعالى { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ ...الآية } وقال تعالى عن قوم إبراهيم