الأحكام الشرعية وقف على الأدلة الصحيحة الصريحة , ولا نظن عالمًا يستحق أن يوصف بهذا الوصف يخالف هذه القاعدة , ولكن الخطأ متصور من كل أحد ولا نظن في عالمٍ أبدًا كائنًا من كان أن يتقصد إثبات شيء من الأحكام الشرعية بلا برهان , ولكن قد يظن العالم أن هذا ثابت وليس هو في حقيقته ثابتًا , فالواجب أن يطلب العذر لأهل العلم إذا صدر منهم شيء من ذلك , وقال تعالى {ماجعل الله من بحيرة ولاسائبة ولا صيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لايعقلون} فانظر كيف أنكر الله جل وعلا على هؤلاء الذين حرموا ماليس بحرام , وجعلوا هذا التحريم دينًا , فبين الله تعالى أن قولهم هذا كذب وزور أتوا به من عند أنفسهم ولا حقيقة له شرعًا, وأنه تحريم لا دليل عليه وإنما هو التخرص والهوى والظنون الكاذبة, وجعله ربنا جل وعلا من افتراء الكذب وأنه مجانب للعقل فجعلهم الله تعالى بهذا الافتراء والتزييف والبهتان بمنزلة الذين لاعقول لهم , وأين العقل ممن يحرم على نفسه أشياء هي في أصلها حلال له , وهذا ليس محصور على الذين نزلت في شأنهم الآية وإنما لعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول فيدخل في ذلك كل من حرم شيئًا لادليل عليه ومن المعلوم المتقرر عند أهل العلم أن تحريم الحلال كتحليل الحرام كلاهما ممنوعان , فدل ذلك على أن التحريم أو أي شيء من الأحكام الشرعية لا يقبل إلا بدليل صحيح صريح , وقال تعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تقولوا على الله مالا تعلمون} وذكر أهل العلم أن المحرمات في هذه الآية على وجه الأعظمية وجعل الله تعالى القول عليه بغير علمٍ من أعظمها وأشدها خطرًا , والشرك فرع من فروع القول على الله تعالى بغير علم ومن فروعه أيضًا إيجاب مالم يوجبه الشارع أو تحريم ما لم يحرمه الشارع أو استحباب ما لم يستحبه الشارع أو كراهة ما لم يكرهه الشارع , لأن