ذهب بعض أهل العلم ـ رحمهم الله تعالى ـ إلى وجوب الكفارة على من أفطر بالأكل والشرب عامدًا ذاكرًا ، ولا أدري في الحقيقة على أي شيء استند هؤلاء ، وقد بحثت في كتبهم فوجدت أنهم قالوا: لأن الأكل والشرب أصل المفسدات فإذا وجبت في الجماع الذي هو دونه فلأن تجب في الأكل والشرب الذي هو أعلى منه من باب أولى ، وقالوا: إن العلة في إيجاب الكفارة على المجامع هي لأنه انتهك حرمة الصوم الواجب ، فكذلك لو أكل أو شرب عمدًا فإنه يكون قد انتهك حرمة الصوم ، ومع اتفاق العلل تتفق الأحكام ، هكذا قالوا رحمهم الله تعالى ولكن قولهم مجانب للصواب ، لأن الصواب أنه لا كفارة إلا على المواقع في نهار رمضان عامدًا عالمًا بالحكم ، فالجماع لا بد أن يكون مؤثرًا في وجوب الكفارة ، لأن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ رتب الكفارة على من قال"وقعت على أهلي وأنا صائم"وفي رواية"في رمضان"فأوجب عليه النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ الكفارة ، فالكفارة متوجهة لمن قال ذلك ، فدل على ذلك على ارتباطها به ، ولأن الأصل في الذمة البراءة ، ولا نعمرها بوجوب شيء إلا بدليل صحيح صريح والدليل إنما ورد في حق من وقع على أهله وهو صائم في رمضان ، ولأن الأصل المتقرر عدم الكفارة في مفسد الصوم إلا بدليل ، ولم يرد الدليل إلا في حق المجامع فقط ، وصورة السبب في الكفارة لا بد أن تكون مؤثر في الحكم ، ثم إن قياس الأكل والشرب على الجماع غير صحيح ، والقياس في العبادات ممنوع أصلًا وليس للقائلين وجوب الكفارة على المفطر بغير الجماع دليل صحيح ، والأصل عدم الوجوب لأن الوجوب حكم شرعي والأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للدليل الصحيح الصريح ، فالحق الحقيق بالقبول أنه لا تجب الكفارة إلا على من أفطر بالجماع فقط ، وأما من أفطر بغيره فلا نقول بوجوب الكفارة عليه لأنه لا دليل يثبت ذلك ، والله ربنا أعلى وأعلم.
الفرع الثالث والأربعون: