الصفحة 42 من 72

ذهب بعض أهل العلم ـ رحمهم الله تعالى ـ إلى القول بوجوب الغسل بمجرد انتقال المني عن مكانه ولو لم يخرج واستدلوا على ذلك بأن المني في هذه الحالة قد فارق محله وجانبه فيصدق على صاحبه وصف الجنب لأن المني فارق محله ، وذهب أكثر العلماء بأن مجرد انتقال المني لا يوجب الغسل بل لا بد من خروجه واستدلوا على ذلك بحديث"إنما الماء من الماء"وبحديث"إذا رأت الماء"وبأن الأصل بقاء الطهارة ، وبأن موجبات الغسل توقيفية ، وبأن الوجوب حكم شرعي والأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة ، ولا نعلم دليلًا لا من القرآن ، ولا من السنة الصحيحة ، ولا من الإجماع ولا من القياس الصحيح ، ولا من قول الصحابة يوجب ذلك ، فهذا الفرع محدثٌ في الشرع وكل إحداث في الدين فهو رد ، وتشريع لم يأذن به الله ، وكل تشريع لم يأذن به الله فهو باطل لا يقبل والأصل براءة الذمة ممن هذا الوجوب والأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، وقولهم: إن الإنسان يوصف بالجنابة بمجرد مفارقة منيه محله ، كلام ليس بصحيح لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا ، فضلًا عن كونه قياسًا ورأيًا في مورد النص ، وقد تقرر أنه لا اجتهاد مع النص وتقرر أن كل قياسًا صادم النص فإنه فاسد الاعتبار ، وبناءً عليه فالصحيح الذي لا شك فيه هو عدم وجوب الغسل بمجرد انتقال المني بل لابد مع انتقاله من خروجه ، هذا هو المعروف بالدليل الأثري والنظري كما ذكرناه لك قبل قليل فهذا الوجوب المذكور لا أصل له في الشرع لأن المتقرر عندنا أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة ، فرحم الله من ذكره وأدخله في كتب الهداية وعفا عنه وعامله بكرمه ومنِّه وفضله ، والله تعالى أعلى وأعلم.

الفرع الرابع والعشرون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت