استحب طائفة من أهل العلم ـ رحمهم الله تعالى ـ في الوضوء مسح العنق وهو مذهب الحنفية ويستدلون على ذلك بحديث يروونه عن أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ ، ولكن هذا الحديث لا يسعفهم في إثبات هذا الاستحباب ، لأنه لا يثبت عن النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في ذلك شيء ، قال النووي: بدعة وحديثه موضوع ، وقال ابن تيمية: لم يصح أنه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مسح على عنقه ، ولهذا لم يستحب مسح العنق جمهور من العلماء كمالك والشافعي وأحمد ، وقال ابن القيم: لم يصح فيه حديث البتة ، وبناءً عليه فمسح العنق ليس من السنة بل ما أحراه أن يكون بدعة ، وجميع الواصفين لوضوئه ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ لم يذكروا أنه مسحها ولا مرة واحدة فلو كان ذلك مشروعًا لفعله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ مع أنهم ـ رضي الله عنهم ـ كانوا في مقام التعليم ، فحديث أبي هريرة ـ - رضي الله عنه - ـ لا يثبت ولا يقوى أصلًا على مقابلة هذه الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين أو أحدهما ، فاللهم اغفر للأئمة الحنفية واجزهم خيرًا على حرصهم في متابعة السنة ، وهذه هفوة يسيرة في جانب حسناتهم الكثيرة التي لا تعد ، وهو مقصور في كل مذهب ، ألا ترى أن الفرع الذي قبل هذا ـ أعني فرع مخالفة تقليم الأظافر ـ قد قال به بعض الحنابلة ، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا قول الشارع ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وعلى كل حال فمسح العنق لا يصح ادعاء استحبابه لأن الاستحباب حكم شرعي والأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة والله أعلم .
الفرع الثامن عشر: